يونس التايب 

“ما أسديناه من أجل الوطن ليس هو الكمال، ولكن إن الذي أسديناه خرج من صميم الفؤاد، طاهرا نقيا.” لو احتفظنا فقط بهذه الجملة من بين مضامين كل الخطب والمقالات والكلمات التي صدرت عن السي عبد الرحيم بوعبيد، رحمه الله، لكفت لتلخص ما كان عليه هذا الرجل الوطني الصادق من مقام وما حمل من قيم ومبادئ، وما عاش به من ارتباط وجداني خالص بوطنه المغرب والتزام بقضايا أبناء شعبه.

في مثل هذا اليوم من 1992، شهد المغرب يوما حزينا، بعد وفاة أحد رجالات الدولة الكبار، الذي كانت جنازته إحدى أضخم الجنائز التي شهدها مغرب ما بعد الاستقلال، مشى فيها الآلاف من أبناء الشعب من كل الفئات والمشارب، إكراما للراحل واعترافا شعبيا بقيمته وبمساهماته في البناء الوطني الهادف، بموضوعية وشجاعة وجرأة والتزام بالثوابت، وتمسك بوطنية عالية وسلوك سياسي لم تلوثه مطامع ومنافع صغرى، لرجل عاش نزيها ومات نقيا.

ربما لا يعرف الكثيرون من الجيل الجديد ثنايا إسهامات السي عبد الرحيم في التدبير العمومي وفي بناء الاقتصاد الوطني، وفي الدبلوماسية دفاعا عن مصالح المغرب، وفي الفكر السياسي، وفي تطوير مدرسة سياسية مغربية متفردة تنشد العدالة الاجتماعية بروح رائدة وبأصالة مغربية منفتحة على العصر. لكنها كانت إسهامات استثنائية في قيمتها ورصانتها جعلت للفقيد مكانة اعتبارية وإنسانية خاصة لدى المغفور له جلالة السلطان محمد الخامس، ولدى المغفور له  الملك الحسن الثاني.

والتاريخ يشهد أن تلك المكانة لم تقلل منها في شيء حتى أقسى لحظات الاختلاف في التقدير السياسي للقضايا الوطنية، ولا مواقف السي عبد الرحيم دفاعا عما كان يعتقد أنها مصلحة وطنية خالصة، سواء في المسألة الدستورية عقب الاستقلال، أو في مسألة الدفاع عن  التراب الوطني بمناسبة موضوع الاستفتاء في 1981.

وربما لا يعرف الكثيرون من الجيل الجديد، أيضا، معنى أن يقول سياسي مغربي، في 1981: “ربي السجن أحب إلي من أن ألتزم الصمت وألا أقول رأيي في قضية مصيرية وطنية ومقدسة”. كلمات قوية في سياق استثنائي، قالها السي عبد الرحيم بشجاعة السياسي المواطن والوطني، الذي من أكبر واجباته، ومن مقتضيات الولاء الراسخ لملك البلاد ولتوابث الأمة المغربية، أن يقول الحقيقة ولو كانت قاسية، بعيدا عن هواجس المغانم الانتخابية، ودفاعا عن المصالح الإستراتيجية للدولة الوطنية، التي تقاس بمقياس التاريخ، لا بمقياس السياسوية الضيقة.

ومن المعروف أن خصال السي عبد الرحيم و مكانته منحته، أيضا، قيمة متميزة لدى  الملك محمد السادس، الذي عايش الفقيد عندما كان سموه وليا للعهد، وتابع عن قرب مواقف الرجل وقدر فيه طباع السياسي المغربي الأصيل والشجاع، الذي ظل همه الوطن حتى في عز مراحل الأزمات والخلافات. ولعل طبيعة العلاقة الإنسانية الكبيرة والعطف الخاص الذي يحمله ملك المغرب للأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، رفيق درب السي عبد الرحيم والقائل في حقه “لولا عبد الرحيم بوعبيد، لعاش المغرب عواصف هوجاء”، لخير دليل على ميزان القيم الذي يحكم العهد الجديد ويؤطر المواقف فيه، منذ 1999.

والشيء بالشيء يذكر، وأنا أستحضر كلمات السي عبد الرحيم في ذكرى وفاته، تحضرني بقوة مضامين قوية الدلالات من خطاب الملك محمد السادس، يوم الجمعة 12 أكتوبر 2018، أمام أعضاء مجلسي البرلمان، قال فيها “الواقع أن المغرب يحتاج، اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى وطنيين حقيقيين، دافعهم الغيرة على مصالح الوطن والمواطنين، وهمهم توحيد المغاربة بدل تفريقهم؛ وإلى رجال دولة صادقين يتحملون المسؤولية بكل التزام ونكران ذات”. ولا أظن هذا الكلام السامي إلا راهنيا بشكل كبير، حيث أن مستقبل هذا الوطن وصلاح أمره وشؤون مواطنيه، ليس ممكنا سوى بأن نعود جميعا للالتزام الصادق بهذه القيم مجتمعة: وطنية حقيقية، وغيرة على مصالح المغاربة، وتوحيد لهم على توابث الأمة المغربية، ورجال دولة صادقين يقدرون مقام المسؤولية العمومية ويلتزمون بمقتضياتها، ونكران ذات ينصهر عبره الفرد في كينونة وطنية جامعة.

بذلك سيبقى المغرب عزيزا، وبذلك سيظلّ أهله بكرامات مصانة. رحم الله السي عبد الرحيم، وكل من أحب الوطن بصدق وإخلاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *