المصطفى الكريم وسيدتنا عائشة رضي الله عنها، هما وحدهما من يستطيعان وصف الآلام النفسية التي اندلعت كالحصاد في الهشيم من واقعة الإفك.. ولولا هولها ما تناولها القرآن الكريم في محكم آياته ولما تجاوز دبيب سمومها ما هو شخصي ليقلب المجتمع الآمن رأسا على عقب بعد وفاة الرسول الأمين.
الإشاعة فنّ يمارسه من نسب إليهم الله عز وجل وصمة شائنة مذلة كالفسق، “إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينُوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”، صدق الله العظيم. واختيار صفة الفاسق لمن يفتري على الناس كذبا لم تأت في الذكر الحكيم هكذا اعتباطا وجزافا.. فالفسق مدونة سلوك جامع لكل أنواع الممارسات اللاأخلاقية، من فجور ومجون وحقد وكذب وافتراء وانتهازية ووصولية، وهي أوصاف للفسق، على سبيل المثال لا الحصر.
أذكر أنني أردت يوما أن أتأكد من واقعة انتشار الإشاعة، فاختلقت رواية وهمية لا تضر أحدا مفادها أن امراة في سلا أنجبت ستة أولاد… تناسلت الأخبار حول الموضوع وبلغ الكذب حدا أقنع فيه الناس بعضهم البعض بأنهم عاينوا الأم الولود، بل كان منهم من مدّ لها يد العون بزعمه أنها معسرة.. والأغرب من ذلك أن بعض الصحف أرسلت مراسلا ساهم، بدوره، في انتشار الإشاعة.. وخلصت إلى نتيجة مؤكدة: الإشاعة سلاح خطير في يد ضعاف النفوس، يحاربون به بدون هوادة من يقف لهم بالمرصاد.
وقد لجأت مصر حاليا إلى محاربة وباء الإشاعة على واجهتين، فصدر تشريع خاص تناولها بدقة متناهية جدا لتجفيف منابعها مهما بلغت درجات التطور التكنولوجي من قدرة على خلقها وتسريبها. ورتب هذا التشريع الجزاء الذي يطال الفاعل، سواء كان مؤسسة تقتات من أعراض الناس أم شخصا ذاتيا، مهووسا، متهافتا..
وفي الوقت ذاته، لا يترك الإعلام الإشاعة البغيضة المؤثرة على المواطن تستشري، بل يبادر على سبيل العجلة القصوى إلى التصدي لها وكشف الألاعيب المدمرة للأشخاص والوطن…
في زمن الملك الراحل الحسن الثاني، طيب الله ثراه، دأب أحد الوزراء النافذين على تلطيخ سمعة كل من اقتنع الجناب الشريف بكفاءته، وغالبا ما كان ينجح في مسعاه الخبيث. وأحيانا يعلم الملك بوساوس الوزير الشيطان فيختار من وضع فيه الثفة مهما بلغت التقارير التي كتبت عنه من الافتراء والزور، بنيّة إبعاده من دائرة الاهتمام.
تسري الإشاعة البغيضة فتدمي الأعين والقلوب ويعجز المرء المتسلح بالأخلاق الفاضلة عن التصدي لها لتفاوت المستوى بين كائن دنيء وآخر مستقيم. ويظن المروج للإشاعة أنه نال الرضى من الجهة التي زعم أنه يحرص على مصلحتها، ناسيا أن التاريخ يحتفظ بالأسماء ويصنف كلا منا في الحجم الطبيعي الذي يستحقه بدون مساحيق ولا رتوش،
واسالوا التاريخ فهو محك…
يقول صاحبي إن بيننا زميلا عرف عنه نشر الإشاعات البغيضة، فكلما اراد أحدهم النيل من خصم له بالباطل صنع خبرا زائفا وأفشى به للبراح قائلا:
إياك أن تخبر أحدا بهذا السّر (…)
فلا تكاد تمر ساعة من الزمن حتى يكون الخبر على لسان جميع سكان المغرب، من طنجة إلى الكويرة!
لفقه الإشاعة مدرسة وأطر تربوية وساعات إضافية يقضونها في الحانات ووراء الحجرات للنيل من شرف الناس ومروءتهم.
أعرف أحدهم يجري جري الوحوش ليكون في الصفوف الأمامية مهما كان الثمن. وقد دخلتْ إلى مكتبي قاضية متزوجة ولها أبناء وهي تكاد تنفجر من الضحك قائلة: الذي كان قبل قليلفي مكتبك دخل إلى مكتبي وطلبني للزواج، فقلت له إنني متزوجة ولي ولدان، ففرّ هاربا…
قلت لها: إنه يريد الزواج بقاضية، لوازم الشغل طبعا.
فضربت كفا بكف.
وقد حقق هذا الخاطب في رحاب المحكمة غايته من قاضية أخرى متدرّبة، بعد أن مثّل عليها دور “روميو” لبعض الوقت، فكشفت نزوته، لكنْ بعد فوات اأوان. ولا يزال يسير في طريق الطمع ونشر سوء الأخبار على الناس، حتى ولو كانوا من أقرب المقربين.
النبي الكريم وسيدتنا عايشة، رضوان الله عليها، نالا حظهما من افتراء الكفار وذوي الضمائر السيئة عليهما، بل وحتى ممن كانوا في عداد الأهل والأصحاب.
العلماء والمفكرون والأدباء والشخصيات العامة الجادة أيضا نالوا حظهم من العذاب الذي صنعه أصدقاؤهم، وليس بالتحديد أعداؤهم، فهؤلاء قد يكونون أشداء في المبارزة ويقبلون بمرتبة الشرف.
التاريخ يذكر الأكفاء: هؤلاء ضمنوا الخلود، أما المسيئون فلهم عذاب الدنيا والآخرة، مثل ذلك الذي حاول خطبة قاضية متزوجة لتصريف أشغاله في مكتبه الذي كان يوم وفد إليه من القرية إلى الرباط قصبة تسكنها الغربان.. وقد مر الزمن سريعا ليجد نفسه مدمنا على الخمر وينسى ابنه في الحانات وما زال لم يتعظ ويواصل ترويج الإشاعات.

رشيد مشقاقة -رئيس المنتدى المغربي للقضاة الباحثين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.