عبد الرزاق بوتمزار

بعد أن رمقتُ، بالصّدفة، تعبيرات وجهه وهو يعود لينفجر في بائع الدّيطاي في راسْ الدّرب، شعرتُ وأدركتُ وخمّنتُ وتوقّعت وتخيلتُ قصّته كاملة قبل حتى أن يرويها.. كانت نظرته تعبيرا صارخا في صمت عن “الحكرة” والعنصرية واللامبالاة التي كان عرضة لها. صرختْ عيناه بكل معاني التحدّي والرفض والاستهجان في وجه تفاهات هذا العالم وفظائعه تجاه مهاجر “أسود”!…

لحظاتٍ قبل ذلك، وقف أحد الشابّين الأسمرَين قربنا ومدّ يده مستجديا “شي برَكة” من شاب توقّف بمحاذاة الصندوق الخشبي لبائع الموت بالتقسيط وطلب سيجارة. غغمَم بائع الدّيطايْ بكلمات ورفع يده في وجهه ليُفهمه أن يبتعد لأنّ “ما كايْن ما يدّار، وْتيبيعو غير الكارّو.. أش تنصُوّرْ كاعْ بْ السلامة حْتّى تُوقفْ عليّ؟!”…

همّ بالابتعاد، يائسا ومتعباً ومقموعا، حين لاحظ أنّ طريقة كلام مخاطَبه وحركاته لم تُعجبه.

Ne me dites pas va t-on comme ça!.. C’est pas parce que ma peau est noire vous m’ordonnez de m’éloigner de la sorte comme si je suis un insecte, quoi

(إيوا فكّها دابا يا مْن وحّلتيها).. قلتُ في نفسي، مخاطبا بائع السجائر. (أش دّاك، أ بُوقالْ، تهزّ عْليه يدّيكْ؟ إيوا مْنّك ليه دابا، لاش ساكتْ!؟)…

لكنّ مُول الدّيطاي لا يفهمْ الفرنسية والمهاجر يفهم الدارجة ولكنه ما يعرف أن يتخاطب بها ويرد بالسرعة والنجاعة اللازمتين..

استللتُ سيجارة ومددتُها نحوه. اقترب وأخذها شاكرا. ولأنّني فْضولي بطبعي، فقد كان عليّ أن أتحمّل عقبات تدخّلي. اقتربتُ منه وفي يدي قارورة ماء. كان عطشان، طلب كأسا أخرى. أشعل سيجارته. قصدتُ “صديقه”، الذي اختار الجلوس في ضْصيصةٍ قريبة، في الجهة المقابلة للطريق الفرعي. وبدوره، طلب كأسَ ماء إضافية.

عدتُ إلى الأول (الأكبر). سألتُه:

-ماذا جئتَ تفعل في هذه “التيرّا” أنت وصديقك؟ تبدوان منهكين.

قال لي إنه ليس صديقه، إنه أخوه الأصغر (وْلد بّا وْمّي). تابع، بفرنسية بنكهة إفريقية تُصعّب فهمها:

“جئنا من السينغال في رحلة طويلة نحو حدودكم مع إسبانيا، في أفق العبور إلى هناك. نجحنا في ذلك، لكن حرس الحدود ألقوا علينا القبض في مْليلية وأعادونا إلى المغرب.. رحّلونا نحو تازة، الأقرب إلى الحدود الموريطانية.. في تازة، اعتدى علينا لصوص ليلا.. ضربوني بسكين، انظر (رافعا قميصه، ليظهر لي جروحا وندوبا حديثة تشوّه ظهره).. أخذوا هاتفينا وما كان في حوزتنا من مال، لم يتركوا لنا إلا ثمانية أوروهات لنتدبّر بها أمرنا.. حتى لصوصكم فيهم جانب إنساني.. لو كنّا تعرضنا لهذا الاعتداء في أحد بلدان إفريقيا لأخذوا حتى أحذيتنا وربما قمصاننا وسراويلنا، لكنهم ترَكوا لنا مبلغا ندبّر به شؤوننا.. أنتم لا تعرفون شيئا عما يحدُث في بلدان إفريقيا السّوداء، لا يمكنكم حتى أن تتصوروا فظاعة الناس والحياة هناك…

Vous, les marocains, vous êtes plus humanistes comparés aux africains noirs.. Vous ne pouvez pas imaginer les horreurs qui se passent dans ces misérables pays de l’Afrique noire (Cameroun, Ghana, Mali).. Peu importe pour ces gens là que vous mourez, de faim ou de soif, devant eux, ils resteront indifférents et “froids” envers votre tragédie.. Vos souffrances et douleurs ne leur signifient rien du tout. Ils ne vous donnerons même pas une goute d’eau même si votre vie en dépendait; par contre, un Marocain même s’il n’a qu’un petit morceau de pain il le partagera, ravi, avec vous si vous lui dites que vous avez faim.. Autre chose, les présidents et gouverneurs là bas obligent leur citoyens/ esclaves à les traitent comme s’ils étaient des “Dieux”! Et si vous dites le moindre mal d’eux ou si vous les critiquer par un seul mot votre sort est connu d’avance: la mort! c’est effrayant ce que les gens subissent en Afrique, mon ami, vraiment affreux.. C’est ce qui nous pousse à rester ici au Maroc, en attendant une opportunité pour passer les frontières vers l’Espagne”

عندما سألتُه، وقد قرّرا التحرّك في اتجاه مركز المدينة لتدبّر أمر مواصلة رحلتهما التراجيدية، نحو مدن الشمال، ما إذا كان بإمكاني أن أكتب شيئا عن رحلتهما ووضعهما المأساويين، وما إن كان بإمكاني التقاط صورة لهما (كان قد عرّفني بنفسه وقد سألتُه عن ذلك في بداية حوارنا) تغيّرتْ ملامح وجهه وقال بلا تردّد، ما معناه:
-لا، لا، يا صديقي، سيتعرّفون علينا وسنتعرّض لمشاكل في نقط العبور…
-اطمئنّ، يا صديقي، لن ألتقط صورا ولن أشير إلى هويتيكما ولا إلى بلدكما، لكنْ… لا أستطيع ألا أكتب شيئاً عنكما، لا أستطيع…

وابتعد طيفاهما في اتجاه مركز المدينة لتدبّر أمر عودتهما إلى مدن الشمال للتربّص بفرصة جديدة، بفسحة أمل تفتح أمامهما إمكان العيش بكرامة، بعيدا عن قارّة لا تقابل أبناءها إلا بالجحود والإقصاء والتمييز.

مع الأسف، لم يسعفني الوقت في أن أشرح له أنّ هؤلاء المغاربة، الإنسانيين والكرماء والمتعاطفين، ابتلاهم الله بمسؤولين “مشغولين” بمصالحهم ومآربهم الخاصة، وآخر همّهم الانشغال بتوفير التعليم والصحة والشغل… هل قلت الشغل؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.