عادل بن حمزة: سياسي وكاتب صحفي

 

هل كان ضروريا أن نفجع في شابة في مقتبل العمر، تهمتها الوحيدة هي أنها كانت تحاول تهريب الأمل؟ هل نحن بحاجة إلى مقتل حياة بلقاسم لنكتشف زيف الخطابات و البكائيات و السياسات و الحكومات و كل هذا الضجيج الذي يرفع منسوب الدجر؟ الجواب بالتأكيد هو النفي، فبلادنا دخلت متاهة لا يمكن الخروج منها لا ب “الفهلوة” و لا ب “البلطجة” و لا بالتخويف الذي أصبح اليوم سياسة عمومية لها منظروها و “حكامتها” أيضا، هذا العجز البنيوي عن إبداع الحلول المناسبة للمشاكل الكبيرة و الخطيرة التي تعرفها بلادنا، نابع في جزء كبير منه من ثقافة العناد و سياسة النعامة و نهج أوديب، إذ لا أحد يريد أن يرى الحقيقة و لا الاعتراف بها، سواء جاءت في التقارير الدولية من تلك التي تصنف نظامنا السياسي كنظام هجين لا هو ديكتاتوري و له ديمقراطي، إلى تقارير التنمية البشرية التي لا يتأخر عنا فيها سوى دول مثل اليمن أو سوريا الغارقتان في حرب أهلية تحول معها البلدان إلى ساحة لمواجهة إقليمية و دولية، مرورا بتقارير حول التنمية الاقتصادية و أرقام النمو التي تصنفنا من الدول مجهولة المصير في السنوات القليلة المقبلة، و تقارير البطالة و الشغل الناقص و معدلات النشاط و طبيعة القطاعات الاقتصادية التي تخلق ذلك النادر من الشغل، إلى التقارير التي تبحث في المستوى التعليمي للتلاميذ المغاربة على مستوى القراءة و الرياضيات و التي نتذيل فيها الترتيب في كل تقرير، إلى التقارير التي تتناول التراجع الكبير للرأسمال الإجتماعي و طغيان الحلول الفردية بعد إنهيار الثقة في قيام مشروع مجتمعي و معه الإنتماء إلى شيء إسمه الوطن، إلى تقارير الفساد و الرشوة و غيرها مما لا يمكن مواجهته بكلام رخو يتحدث عن مؤامرة دولية على بلادنا، تلك الحقائق الواردة في التقارير و الظاهرة في الواقع تمت محاولة إخفائها بكثير من المساحيق و حملات التواصل الإعلامي، لكن ما لا يرغب أصحاب الحال في فهمه و قبوله، هو أنه مهما كانت وسائط التواصل “قوية”، فإنها تصبح بلا معنى و لا قيمة لها وعاجزة؛ عندما تغيب المصداقية و المضمون…، المشكلة هي المضمون و على هذا المستوى حصدنا ما يكفي من الأصفار على اليمين
الراحلة حياة بلقاسم تمثل فقط نموذجا تعرفه كثير من الأسر المغربية، فهو يكاد يكون النموذج السائد في مغرب تم فيه تعميم الفقر و الحاجة، حياة كأي شابة كانت لها أحلام كثيرة، و عندما يعيش الإنسان الفقر و أساسا الإمتهان اليومي للكرامة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإن الأحلام إما تتضاءل تحت وقع الحقيقة المرة، و إما أنها تصبح شاسعة بشكل يجعلها وهما بديلا عن قسوة الحقيقة، و في بيئة إجتماعية توجد على هامش السياسات و على هامش الدولة، كثيرا ما تتضاءل الأحلام كلما تقدم الإنسان في العمر و التجربة الإنسانية، حياة كانت حلم أسرة في حياة أخرى أفضل، الأسرة التي لازالت ككثير من الأسر في مغرب اليوم، تعتقد أن التعليم يمكن أن يكون مصعدا إجتماعيا و آلية لمعالجة الاختلالات الطبقية في المجتمع، و هذا هو المفترض في المدرسة بصفة عامة، لكن العكس هو الذي يحدث في بلادنا منذ سنوات، إذا تحولت المدرسة بثنائيتها العام/الخاص العتبة الأولى لتثبيت الفقر و التمييز الطبقي، و تعطلت بوصفها مصعدا إجتماعيا، لكن المؤلم هو عندما يكتشف الناس ذلك متأخرين، ساعتها يسود إحساس لديهم بالغدر…و هذا ما تعرضت له حياة بلقاسم مرتين، المرة الأولى عندما اكتشفت أن رهانها على التعليم ليس له أي أفق، و المرة الثانية عندما تم قتلها و هي تحاول تهريب ما تبقى لديها من أمل
حياة ليست حالة خاصة أو مجرد رقم في سجل الأموات في كتاب بارد للحالة المدنية في بلدية تطوان، حياة هي نموذج حي للمغربي البسيط الذي تمت خيانته لسنوات و مع ذلك لا زال يؤمن بالوطن، و عندما يرغب في الهجرة يحلم بالعودة إلى الوطن و إعماره، هذا النوع من المغاربة قريبا سيكون في حالة إنقراض كلي إذا لم يتم تدارك الأمر..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.