نجيب كومينة: كاتب صحفي

لن أنسى ذلك اليوم ما حييت.

فقد كانت ثاني محاكمة لي بعد محاكمتي بمراكش سنة 1980، وكانت تختلف عنها في تفاصيل كثيرة، بما فيها القضاة والمحامين والاتهام والمكان والنتائج المحتملة، وإن كان التهمة غير بعيدة جوهريا عن تهمة 1980.

#الهولدينغ_الملكي

كنت قد كتبت مقالا-تحقيقا عن خوصصة الشركة الوطنية للاستثمار، أو ما تبقى منها وقتئذ، وقدمت بالأرقام والأدلة التي تمكنت من الحصول عليها من داخل الشركات التابعة للشركة القابضة (الهولدينغ) العمومية ومن بورصة القيم بالدار البيضاء ومصادر أخرى جديرة بالثقة، عن الكيفية التي تم بها التفويت، وكيفية تحديد ثمن السهم بعد قسمة مدروسة، واختيار سوق الكثل في البورصة، التي تجري بها عمليات التفاوض بالطرق العتيقة التي كانت متبعة، بدلا من السوق الرسمية التي يتحدد فيها الثمن بناء على العرض والطلب (وإن كانت تتدخل فيها الأيادي بالطرق التي انكشفت لدى ولوج مجموعة الضحى مثلا)، وخلصت، بعد التحري والتدقيق، إلى أن عملية الخوصصة تلك تخفي أشياء كثيرة سيكشف عنها الزمن، ومنها أن المستفيد من العملية هو الهولدينغ الملكي المعروف وقتئذ اختصارا ب “أونا” (أومنيوم إفريقيا الشمالية الذي أنشأه رأس المال الخاص الاستعماري بمساهمة لكلاوي في القطاع المنجمي وتمت السيطرة ضمن صفقة سياسية سنة 1958 حسب ما رواه مهندس المعادن وقتئذ ابراهام السرفاتي بدلا من تأميمه كما حصل مع مؤسسات أخرى)، وأشرت إلى أن الهولدينغ الملكي كان قد ابتلع عددا من الشركات التي كانت تابعة للشركة الوطنية للاستثمار مكنته من الانتقال من اختصاصه المنجمي، الذي بقي أساسيا وذي طابع احتكاري (مناجم اليوم هي أونا الأصلية)، إلى الصناعات الغذائية (لوسيور، سونترال ليتيير، كوزيمار…) يستعد لابتلاع ما تبقى في إطار الخوصصة.

#بنك_الدويري

كنت أعرف أن بنك الأعمال “سي إف، جي”، الذي أحدثه عادل الدويري وأمين العلمي، وكان من بين فاعلين في بورصة القيم بالدار البيضاء غير تابعين للآبناك، هو الذي تولى تدبير عملية التفويت، وأنه ربح من وساطته مالا كثيرا، لكنني تحاشيت إدراج هذه المعلومة كي أتجنب أي إيحاء بأنني استهدف عادل وإسماعيل، أبني القيادي الاستقلالي امحمد الدويري، اللذان كانا مع الشريك العلمي يقومان بدور أساسي ومربح في عمليات الخوصصة والإدراج في البورصة، لكن ذلك لم يشفع لي.

كنت قد انتهزت فرصة قلة الأخبار الوطنية ذات الأهمية ونشرته في الصفحة الأولى أثناء مداومتي في نهاية الأسبوع في جريدة العلم، التي لم يجدوا أثرا لمروري منها كصحفي سبحان الله، وصدر يوم الإثنين، فقامت القيامة. طلبني الأستاذ عبد الكريم غلاب على وجه الاستعجال، والحقيقة أنني توقعت أن أتسلم قرار الطرد أو أن يتم توقيفي مرة أخرى، بعدما سبق أن تعرضت للتوقيف بسبب نشر محتويات تقرير المفتشية العامة للمالية بشأن إهدار المال العام والسرقة في وكالة المغرب العربي للأنباء الذي كان قد ترتب عليه اعتقال المدير المالي وقتها وإقالة المدير فنجيرو ومتابعته قبل أن تقوم جهة ما بتهريبه إلى لبنان سفيرا( ما تصرف فيه فنجيرو نزر يسير مقارنة مع من جاؤوا بعده)، المهم أن المدير المرحوم عبد الكريم غلاب لم يطردني ولكنه أخبرني أن السي امحمد الدويري يقول أن ما كتبته كذب في كذب وعاتبني بهدوء لأنني نشرت موضوعا كان من الواجب أن يجيز نشره كمدير ثم سألني عن مصادري وعما إذا كنت متيقنا مما كتبت وعن الوثائق التي بحوزتي، وقدمت له معطياتي ووثائقي، وحدثته عما نشرته وعما لم أنشره تجاوزا لإحراج جريدة العلم وإحراجه شخصيا، ورأيت وقتئذ في عينيه اشتعال الغضب بداخله من الطريقة التي تم بها التفويت، وهو الغضب الذي عبر عنه دون ذكر إسم الشركة في أعمدة “مع الشعب” في وقت لاحق تحدث فيها عن الخوصصة.

#محاكمة_العلم

وقد كانت مفاجأتي أن طلب مني السي عبد الكريم أن أحضر دفاعي وأجمع وثائقي في انتظار لقاء قريب مع السي الدويري وأعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، وهو اللقاء الذي لم يتأخر كثيرا، حيث وجدت نفسي ذات يوم وجها لوجه في مكتب مدير الجريدة مع مجموعة كبيرة من قيادات حزب الاستقلال : المرحوم امحمد بوستة، الأمين العام، امحمد الدويري، نائب الأمين العام، امحمد الخليفة، رئيس الفريق الاستقلالي بمجلس النواب، عبدالحق التازي، محمد السوسي…

تعاملت معهم باحترام نظرا لسنهم وأوضاعهم الاعتبارية، لكنني لم أخف أو ارتبك، لأنني جربت المحاكمة من قبل، ويذكر الصديق عبد الرفيع الجواهري وامحمد أبادرين وآخرين ممن تولوا الدفاع عن مجموعتنا أنني كنت واقفا لا يهزني ريح، وجربت المواجهة مع قوم إدريس البصري، والأهم أنني كنت مقتنعا بكوني أنجزت عملا صحفيا جيدا حقق صدى واسعا وخلف ردود فعل غاضبة عليه من فوق أشعرتني أنني بلغت الرسالة.

بادرني السي امحمد الدويري بعنف: أنت كذاب، حينها وقفت وهممت بالانسحاب، تجنبا للدخول في مشاداة كلامية مع رجل يكبرني سنا وخبرة، واشترطت بشكل حاسم أن يسحب اتهامه وإلا لن يكون هناك حديث بيننا، وكعادتي في مثل هذه الحالات، فإنني لم اهتم بالعواقب . وأمام إصراري سحب، بعد فترة تردد. وقد أخبرني أحد الحضور أن الرجل لم ينطق قط بكلمة أسحب وربما حتى في مستويات عليا.

بعد ذلك دخلنا لصلب الموضوع وانتقلنا من نقطة إلى أخرى، بالتفاصيل المملة، ورأيت في نظرته تعجبا من معرفتي بتفاصيل دقيقة في الموضوع لم تكن معروفة للصحافة والعموم، بما في ذلك قسمة السهم وتحديد ثمن السهم المتولد عن القسمة وعلاقته بالثمن الأصلي في تداولات البورصة، التي كانت الشركة الوطنية للاستثمار مدرجة فيها قبل “إصلاح” 1993، وكانت أسهمها أهم الأسهم بها. ولما تأكد له أنني لم أكذب ولا أكذب وأنني كتبت عن موضوع أمسك بمعطياته، حتى وإن تجنبت أشياء محرجة، انتفض في وجهي قائلا: وهذه الخاتمة التي تقول فيها أن الشركة الوطنية للاستثمار ستبتلعها أونا، هذا غير صحيح، وأنت ترغب في خلق مشاكل لنا مع الحسن الثاني. أكدت له أن الابتلاع النهائي مسألة وقت فقط، وأن الشركة الوطنية للاستثمار هي امتداد لآونا بعد خوصصتها، وهذا واقع لا يرد.

#تدخل_غلاب

بعدها تدخل المرحوم عبد الكريم غلاب وقال للسي امحمد الدويري أنت قلت لي أن ما كتبه كذب، ويظهر من دفاعه أن معطياته مضبوطة ووثائقه كذلك، أما فيما يتعلق بالمشاكل الأخرى فإن اللجنة التنفيذية هي مجال نقاشها، وطلب مني أن أنصرف. (لا أظن أن المرحوم غلاب يمكن، والحالة هذه وحالات أخرى كانت تظهر ثقته الكاملة بأدائي وبنزاهتي، قد وافق على حرماني من حقوقي.)

لدى خروج قيادة حزب الاستقلال من مكتب المدير، توجه المرحوم امحمد بوستة نحوي وربث على كتفي وقال “تبارك الله عليك”، وفهمت أن الجلسة ربما مكنت الحاضرين من تكوين فكرة أوضح عن خوصصة لها أثر إلى اليوم، خصوصا بعد محو إسم أونا والاستعاضة عنه باسم الشركة الوطنية للاستثمار إثر إدماج الشركتين، اللتين يحظى فيهما الهولندنغ الملكي “سيجر” بموقع خاص، وإعادة النظر في توزيع الحسن الثاني لمراكز الثروة، بإخراج مجموعة الوفا لعلي الكتاني وإدماجها في الهولدينغ الملكي وفتح الباب لصعود الصفريوي والضحى ثم أخنوش وأكوا وثروات أخرى قيد الصعود.

مر وقت على تلك المحاكمة، فأرسل السي امحمد الدويري في طلبي لأشتغل معه إلى جانب الأستاذ عبد الحميد عواد وابنيه والكاتب العام الآسبق لوزارة التجهيز في تحضير صيغة البرنامج الاقتصادي التي قدمها في “فوروم ليكونوميست” بالفرنسية، حيث رأى أن لدي توازنا بين اللغتين العربية والفرنسية في الترجمات التي كنت أنجزها وأنني متتبع للحياة الاقتصادية الوطنية، و فوق ذلك أنجزت له ورقة عن الدين الخارجي الذي كنت وقتئذ أتابعه عن كثب، وطويت الصفحة. ربما كانت العلاقة التي نشأت بيني وبين قياديين أساسيين في حزب الاستقلال ومع استقلاليين أصلاء في ذلك الوقت وتطورت مع مولاي امحمد الخليفة وامحمد بوستة وعبد الحق التازي، رغم أنني لست استقلاليا كما كان الجميع يعرف ذلك، ناهيك عن تحزيب الجريدة بعد عودة المرحوم العربي المساري من السفارة وسوء التفاهم الذي وقع بينه وبيننا أنا والمرحوم عبد الفتاح فاكهاني، سببا في إبعادي من العلم وفي محو أثري والتنكر لي اليوم ممن يعرفونني وأعرفهم.

وهذا موضوع جدير بوقفة إلى جانب مواضيع أخرى استخرجها من مذكراتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.