الفنثقافةمدونون

أضـاعُـوني. أوراق مـن سيـرة مُجـاز مُعطّـَل (يوميـات)

عبد الرزاق بوتمزار

ح. 76

وأخيـراً.. ريحةْ لْبلادْ!

في صباح اليوم الموالي، حضرت الحافلة نفسُها لتُقلّنا، مجدّدا، نحو مطار تونس -قرطاج. وجدوا لنا، هذه المرّة، أمكنة شاغرة في الرّحلة المُتوجّهة إلى الدّار البيضاء.
وأخيراً، قلتُ في نفسي، ستنتهي هذه الرّحلة العجيبة التي اختلطت فيها جميع الأضدّاد والمُتناقضات.

الدّار البيضاء.. رائحة البلاد والوجوه المغربية المألوفة المُطَمْئنة والدّارجة الجميلة المحبوبة. بدَا رفاقُ الرّحلة مُنشرحين وهم يخوضون في أحاديثَ صاخبة. كانوا جميعهم مسرورين بتخلّصهم من تجربة الطائرة الليبية الغريبة وما أخذتنا إليه من مواقفَ وأحداث أَغرَبَ في جماهيرية العقيد/الأديب.

أقلّتنا حافلةٌ في اتّجاه الرّباط -العاصمة. هناك، افترقنا بالعناقات والقبلات وكلمات الوداع المُرّة على أمل اللقاء مرّة أخرى. ركبتُ الحافلة في اتّجاه حيّ الفتح، وأنا أسترجع شريطَ ما مرّ بي من أحداث ووقائعَ في أرض أحفاد عمر المختار.

وعلى إيقاع استرجاع ما مرّ بي في رحلة البحث عن تتويج لم يأتِ من طرابلس، تمدّدتُ على سريري، أستعيد بقية الوقائع والأحداثَ التي طبعتْ تلك المُغامَرة الفريدةَ. وعلى وقع هدير الطائرة الليبية التي استبدّتْ تجربة ركوبها بشريط ذكرياتي عن الرّحلة في مُجمَلها، أخذني النومُ إلى عوالمه الخاصة.. حيثُ يمتزج الخيالُ باللاوعي ليُنتجا أحلاماً نُفجّر من خلالها الكثيرَ من مكبوتاتنا التي لا نستطيع إليها سبيلاً ونحن في حالات اليقظة!..

عدتُ من طرابلس خاويَ الوفاض؛ وفوق ذلك، مُكبَّلا بذكريات سيّئة عن عاصمة “عربية” ربّما أرادتْ أن تدخل عنوةً ضمن قائمة عواصم الثقافة، التي تعرف في هذه البلدان المسمّاة “عربية” قسرا أيضاً، تصحّراً غريباً تُشكِّل مُسابَقة جامعة ناصر مثالاً “نموذجياً” له.

في اليوم التالي، ركبتُ القطار المُتوجّهَ نحو الجنوب. كان قد سكنني اشتياقٌ غريب إلى مُرّاكش، المدينة الرّائعة رغم جحودها، حيث أصدقاء المُراهَقة والشّباب، وحيث كلّ دربٍ يشهَد، وزقاقٍ وفضاء، على أيامٍ وذكرياتٍ عشناها مُغامَراتٍ وحكايا لا يمكن أن يعيشها المرء إلا تحت سماء… أجمل مدينة في أجمل بلد!

وفي جلساتنا المسائية اليومية بين أحضان الطبيعة في “الواحة”، وإلى جانب الأحاديث الاعتيادية عن الفتيات والبطالة والكرة والسّياسة، استأثرتْ رحلتي إلى بلاد العقيد بِحيّز مهمّ من استفسارات وتعليقات أولاد الحومة، الذين كانوا يرون فيّ مشروعَ أديبٍ قد يكون، في يوم من الأيام، ناطقاً غيرَ رسميّ بإحباطاتهم وانكساراتهم وهمومهم؛ في مغرب يتعرّض فيه المجازون، والقارْيينْ بصفة عامّة، لأبشع أنواع التهميش والإقصاء و…”الحْـڭرة”!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة