محمد أقديم
اللغة الأمّية (نسبة إلى لغة الأم) أو العامية (نسبة إلى العامة من الناس) والدارجة (ما درج عليه الناس واعتادوه وتعلموه بالعادة) بطبيعتها لغة شفهية (لكونها تنطق بالشفاه وتدرك بالسمع) أي أنها تعتمد على الوسائل أو الحواس الطبيعية لدى الإنسان.. هذه المرحلة “الأمية” في تطور المجتمعات وفي المسار الشخصي للإنسان الفرد لا يمكن أن تكون فيها اللغة إلا شفهية، ولا يمكن أن تكون غير ذلك، لأن الأم لا يمكن أن تتواصل مع أبنائها في البيت وداخل الأسرة إلا شفهيا. ويمتد هذا التواصل الشفهي إلى مجالات العمل والشارع وكل فضاءات الاحتكاك؛ لذلك، وعلى امتداد التاريخ، لم تستطع المجتمعات البشرية التي ظلت حبيسة الأنظمة الاجتماعية الأُسَرية الممتدة والقبلية ونمط الإنتاج الفلاحي الكفائي أن تكتشف الكتابة؛ فظلت مجتمعات أمية (شفهية) بدون كتابة. في المقابل، استطاعت المجتمعات البشرية التي تجاوزت القبيلة إلى المدينة، ثم إلى الدولة، في تنظيمها الاجتماعي وتجاوزت نمط الإنتاج الفلاحي الكفائي إلى نمط الانتاج التبادلي (التجارة) أن تكتشف الكتابة وأن تخلق المدرسة.
وعليه، فالشفهية مرحلة طفولية أو أولية أو بدائية في تاريخ المجتمعات البشرية، مثلما الأمية مرحلة طفولية أولية في تطور اللغات البشرية، لأن تطور اللغات هو في الحقيقة تطور للمجتمعات التي تتحدث بتلك اللغات، والمجتمعات هي التي تطور اللغات. فالإنسان الفرد يعيش، بدوره، المراحل نفسها، إذ يبدأ مسار حياته بالأمية والشفهية في البيت والأسرة والشارع، ثم ينتقل إلى الكتابة والمدرسة. وكونه يكتب ويقرأ في المدرسة والعمل لا يعني أنه لا يتواصل شفهيا في البيت والعمل والشارع.
وعندما نقول إن المجتمعات البشرية تتجاوز المرحلة الأمية (مرحلة لغة الأم) إلى مرحلة الكتابة لا يعني ذلك أنها تحذف تلك المرحلة البدائية من حياتها، إنما يعني أنها تستوعبها وتضيف إليها مرحلة جديدة بطفرة تطورية نوعية جديدة، وهي الكتابة وما تستلزمه من مَعْيَرة تلك اللغة الأمية (الشفهية) وتقعيدها وتدوين ما تنطق به شفهيا؛ ما يقود مباشرة إلى ظهور المدرسة، لأن الكتابة تحتاج إلى التعليم والتعلم برموز بصرية (الحروف) وبقواعد عامة، وليست نطقا لأصوات تتضمّن قواعدها في ذاتها، فالكتابة هي تحويل لرموز صوتية طبيعية إلى رموز بصرية اصطناعية. وهذا يحتاج الى وسائل مادية وأدوات تعليمية و قواعد وفضاء تعليمي؛ وهذا كله هو المدرسة.
وما دام هذا كل غير متوفر لكل الناس ولعامّتهم، كما هو الشأن بالنسبة إلى اللغة الشفهية (الأمية) التي سميت عامية ( نسبة إلى العامة) فقد ظلت اللغة المكتوبة ردحا طويلا من الزمن حكرا للخاصة من الناس (النخبة). وعندما نقول إن اللغة الشفهية لغة أمية وعامية وطبيعية تعكس مرحلة طفولية وأولية وبدائية من تاريخ البشرية ومن مسار الإنسان الفرد كذلك، فهذا توصيف تاريخي وعلمي وتطوري، وليس نعتا أخلاقيا.
ولذلك فاللغة الشفهية (العامية) لها دورها وأهميتها في فضاءاتها الاجتماعية التداولية، واللغة المكتوبة المُمعْيَرة العالمة لها فضاءاتها ومهامها وأدوارها، في توزيع دقيق للأدوار وتقسيم واضح للعمل والمهام بين اللغتين في المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.