إعداد: د. رشيد لزرق

 

إن المتغيرات السياسية المغربية جعلت من الصعب الحديث على اليسار ككتلة منسجمة، أو حتى كجبهة سياسية موحدة، وما نعرفه اليوم يمكن تسميته بيسار الموضة، جراء بعض الموجات الإعلامية، إذ سمعنا سابقا عن يسار بنكيران، وسمعنا مرة يسار القومة، ومرة ثورة الكمون، ومرة أخرى يسار العائلوقراطية (أبناء قيادات تاريخية).

كما برز فريق يسار مدافع عن الشركات متعددة الجنسيات في ما سمي يسار “دانون” إبان حملة المقاطعة الشعبية للشركة المذكورة.

إن هذه المتغيرات تجعل الأسئلة الراهنة هي: أين نحن من مشروع اليسار؟ هل خذلت أحزاب اليسار الشعب المغربي؟ وما الذي يجمع هذه البقايا من التنظيمات اليساري؟.

فالقراءة السليمة لتاريخ اليسار المغربي والبحث في فلسفة اليسار بمختلف أشكاله سواء الاشتراكية الديمقراطية، سواء اليسار الجذري، سواء البوليفارية بأمريكية اللاتينية، أصبحت كلها عاجزة عن تفسير ما يقع في اليسار المغربي.

لهذا يصعب الحديث عن اليسار المغربي وفق تعريفات واضحة بالنظر إلى ضبابية الأحزاب اليسارية المغربية ومسارها، الذي عرف تطورات عديدة في التجربة المغربية، والقاسم المشترك بينها هو التشتت والانقسام الذي جعله ضعيفا. وتبقى تجربة فيدرالية اليسار المتواضعة محاولة فاشلة لتجميع اليسار المعارض، والتي عرفت وصول نائبين برلمانيين يتيمين.

لكنْ، عموما يمكن تصنيف اليسار في المغرب وفق تموقعاته السياسية، فهناك اليسار الحكومي، وهناك اليسار المعارض داخل المؤسسات، وهناك اليسار الرافض للمؤسسات.

واليسار الحكومي، المتهم بإفرغ المشروع الحداثي التقدمي في المغرب من محتواه متمثل في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، واللذين يتزعمهما أبرز القيادات الشعبوية، إدريس لشكر ونبيل بنعبد الله، واللاهثان وراء الدخول للحكومة والبقاء فيها بأي ثمن. هذه القيادات تدير الشأن السياسي بمنطق اليومي وبدون رؤية إستراتيجية، وقد تحالفوا مع العدالة والتنمية في حكومة العثماني، تحت يافطة،”عسس الحداثة” بالحكومة الملتحية، والحال أنهم انساقوا وراء الحسابات الضيقة وإتباع سياسة الانبطاح غير المستساغ أمام سياسية الحكومة الليبيرالية المتوحشة، ما جعل الحزبين اليساريين مهددان بفقدان ما تبقى لديهما مصداقيتهما لدى الشعب.

أما اليسار المعارض من داخل المؤسسات، فشأنه شأن اليسار الحكومي، بدون مشروع سياسي واقتصادي واقعي، ما أسقطه في العديد من المرات في التخندق مع قوى الخرافة، وهو مؤهل لكي يعرف موجة انشقاقات نتيجة التجاذبات السياسية، بفعل اعتماده على قوى عائلوقراطية، تتجلى في فوز عمر بلفريج بمقعد نيابي في انتخابات مجلس النواب، والذي جاء بدعم عائلي، من خلال دعم خالته، زوجة القيادي اليساري الراحل عبد الرحيم بوعبيد، في دائرة اكدال المحيط في الرباط.. فيما فشل محمود بنجلون، ابن الأمين العام السابق لحزب الطليعة الاشتراكي، أحمد بنجلون، في الحصول على تزكيته في مراتبه الأولى في اللائحة الوطنية للشباب، نتيجة رفض نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، دعمه عبر تصريح منسوب لها جاء فيه أن أحزاب اليسار لا حاجة لها بالرموز، في إشارة إلى محمود بنجلون، الذي يعتبر نفسه وريثا لرمزية عائلة بنجلون. وعبّرت نبيلة منيب عن هذا في تصريح لها إبان ندوة صحافية بتاريخ 21 يونيو 2016 ثارت خلالها “استغلال الرمزية”، ما جعل هذا الأخير يرد بعنف عبر سحب ترشيحه، متوعدا إياها بالرد، ثم قدم استقالته.

ولعل حادث عمر بلفريج، بعد حصوله على الصفة البرلمانية، وعوض تدشين مشواره البرلماني بالدفاع عن مشروع يسار، اتجه إلى الدفاع عن “مجد عائلي” بارتدائه لباسا خاصاً بعبد الرحيم بوعبيد، المناضل اليساري، وطربوشاً استعمله قيدوم اليساريين المغاربة محمد بنسعيد آيت إيدر، في محاولة لاحتكار هذه الرموز علانية عوض طرح الأفكار البديلة.

والحال أن بوعبيد وآيت إيدر، قبل أن يكونا لباساً، فهُما فكر وممارسة، أفرزتهما ظروف محددة، من خلال طرحهما اختيارات سياسية معارضة، لم يكن محركها محاولة استعادة مجدٍ عائلي، بل كانت مراجعات للبديل الاشتراكي الديمقراطي.

إن مستقبل اليسار المغربي يظل مرتبطا ببروز قيادات شابة متحررة من عقدة الماضي وهوس الحاضر، متشبعة بالأمل والواقعية، ومرتبطة بقضايا الجماهير، قد تعيد لليسار الإشعاع، عبر إسقاط القيادات الشعبوية وتطهير الفضاء الداخلي من الانتهازية، والتحرّر من النزعة العائلوقراطية، لضمان الانتقال الديمقراطي الداخلي لهذه الأحزاب اليسارية.

إن المشهد السياسي اليوم في حاجة إلى يسار وطني بخط سياسي واضح وبخطاب قريب من نبض الشعب، بعيدا عن يسار العائلات اللاشعبية التي تريد احتكار وطنية الامتيازات واتخاذ الجماهير الشعبية مطية لبلوغ مصالحها الشخصية، وتثبيت جيل من أبناء القيادات.. يريدون استغلال تموقع الآباء، عبر توظيفهم للماضي دون أن يفهموا مغزاه، غير مدركين أنّ التاريخ لا يعيد نفسه إلا في شكل مهزلة، حتى لا يظل الجيل الحالى، محاصرا بين نزعة وصولية ذات رؤية ضيقة ونزعة خرافية باهتة وأخرى ظلامية ورابعة عدمية، والقواسم المشتركة بين هذه النزعات هي افتقارها إلى روح الإبداع إزاء المشاكل الداخلية والمتغيرات العالمية، ومحاولة الهروب إلى الأمام من خلال الاختباء وراء نزعة ثورية وهمية، و منفصلة عن الجماهير الشعبية التي كانوا يتحدثون باسمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.