رشيد مشقاقة -رئيس المنتدى المغربي للقضاة

الرجل العجوز الطيب الذي خبر الحياة وجلس أمام باب منزله على مقعد متآكل وفروة خروف، عانقني بحرارة وقال مثاترا:
-لا ياولدي، لا أحد اليوم يستحق منك كل هذا.. حكمة الزمن: راسي يا راسي..
لم يكن الرجل يهذي؛ فما فاه به من كلمات جعل أشباحا تعبُر أمامي لزملاء ظلوا إلى حين من الوقت يفتحون لي صدورهم مستائين من وضعهم الوظيفي أو الصحي، ومنهم من كان يبدي شجاعة شفهية قلّ نظيرها بين الأبطال، كشجاعة أبي دلامة في ساحة القتال!
ولم أكن أبخل بما أقوى عليه في الوقوف إلى جانبهم.. لازمني من سب الدنيا أسرها بعد أن رفضت طلباته المتكررة للعمل في محكمة النقض. وقد بذلت مافي وسعي لأبلغ مظلمته وإنصافه حتى تحقق له المراد بفضل من الله عز وجلّ.
ولا زمني من اشتكى من أنه لم يحصل على صفة قاض شرفي، فكتبت مقالة أنوّه فيها بكبار القصاة والقاضيات الذين يستحقون هذه الصفة؛ بل ابتكرت صيغة إيجابية لتفعيلها.
ولازمني ولازمتني من لم يقع اختيارهما من بين المسؤولين القضايبن في المحاكم المتخصصة، فبلغت الرسالة لجهة الاختصاص، وكتبت مقالا أحدد فيه الشروط النموذجي لاختيار المسوؤلين القضائيين. وفد تحقق المراد لهما فعلا.
ولازمني من لم يكن الإعلام يقبل منه مقالة أو استجوابا أو حضورا في التلفزة، فوفقت إلى جانبه حتى أصبح ضيفا قارا في مختلف القنوات والإذاعات..
ولازمني أيضا من لا يجيد الكتابة وإلقاء العروض فكتبت له وعرّفته بنقابات المحامين، فأصبح هو الأصل وأنا الفرع.. وقد سألني يوما: لماذا يحرص الضيوف، من المفكرين والكتاب وعمداء الكليات، على زيارتك في مكتبك قبل زيارتي، فلم أجد جوابا. بعد ذلك بدأ مسلسل المكائد التي سوف يأتي الوقت للكشف عنها، وأكتغي فقط بنموذج شاذ: إنني أدخل مبكرا إلى مكتبي لغاية في نفس يعقوب؛ ناسيا أنني اعتدت على العمل في الصباح المبكر جدا منذ ثلاثة عقود وأنني لا أشارك في النشاط الثقافي، علما أنني رئيس اللجنة الثقافية.
ولازمني المرضى من القضاة والقاضيات، منهم من منّ الله عليهم بالشفاء ومنهم من لبّوا نداء ربهم.. وشهدت وزارة العدل ومحاكم المملكة الخطوات الجبارة التي قطعتها رفقة ذوي المرضى لطلب المساعدة؛ وتحقق المراد بإذن الله وما زال أمام عيني وجه ذلك القاضي وقد لبى نداء ربه عندما اضطرت طائرة كانت تقله إلى الهبوط لإنقاذه من وعكة صحية، والمساعي التي بذلناها وزوجته المصون والعمل الإنساني المثالي الذي قدّمه الأستاذ الفاضل عبد المجيد غمبجه، شافاه الله، لإرجاع القاضي المريض إلى بلاده سالما..
وما من مرة طرحت على وزراء العدل ورؤساء المجلس الأعلى، كتابة وشفهيا، الاقتراحات التي أراها ترفع من مستوى القضاء والقضاة في بلادنا، سواء من حيث التدرج في الترقي بين محكمة الموضوع وحكمة النقض، أو المهام القضائية خارج الوطن أو الاستفادة من الكفاءات.
واقترحت الأجر الأول للقاضي، بل ومشروعا لكيفية عمل السلطة القضائية في احترام لخصوصية النظام القضايي المغربي، الذي يتولى فيه جلالة الملك رئاسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية… وفي كتابي “القاضي المبني للمجهول” مشروع مجتمعي متكامل لما ينبغي أن يكون عليه القضاء في بلدنا، وما حظي القضاة ويحظون به من مكانة لائقة لدى الجناب الشريف وما أتوسمه في القاضي المغربي من سعة أفق وتكوين علمي جاد.
وقد آمنت بأن الطلابة لا تطلب، وأن الحرص على الأمانة خيانة؛ لذلك لن تجد في ملفي الإداري طلبات لمنصب ما؛ بل لم أشارك في أية قرعة وظيفية لعدم اقتناعي بجدوى هذا الأسلوب.
الرجل المناسب في المكان المناسب لا يحتاج إلى تزكية أو مراضاة، وأن القاضي يؤتى ولا يأتي.
ومازلت لا أرضى أن تدس الصحافة الرخيصة أنفها في الشأن القضائي، ولا أن يحظى مراسلوها المراهقون بأية حفاوة! فأنا ابن الميدان وأعرف سبل استرزاق “صحف الرصيف”، كما أن أصحابها لا يحترمون السر المهني ولا يؤتمنون اطلاقا! وعودة إلى أرشيف أوراقهم الصفراء تؤكد ذلك.. فأبطال اليوم كانوا مادة دسمة لافتراءاتهم…. سبحان الله، يرتكب القاضي حادثة كأي بني آدم سائق فيكتب صحافي الرصيف: مسؤول قضائي يدهس المواطنين بسارته وهو في وضع غير طبيعي مستغلا نفوذه! ويخرج الخبر في الصفحة الأولى بالبند العريض.

جارنا العجوز الطيب، الذي يفترش فروة الخروف على مقعد متآكل أمام منزل والدَي رحمهما الله، ختم كلمته متأثرا:
-الله يرضي عليك أوْلدي.
وغطّ في سبات عميق!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.