في الوقت الذي يبحث فيه المواطن المغربي عن طريقة للهروب من ثقل المعيشة وغلاء الأسعار، يبدو أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 وجد في جيوب المدخنين و«السكايرية» منجماً ضريبياً لا ينضب.
فهؤلاء الذين يُنظر إليهم أحياناً باعتبارهم عبئاً على المجتمع، قد يتحولون، بلغة الأرقام، إلى جنود مجهولين في معركة سد عجز الميزانية!
إدربس لكبيش/ Le12.ma
دفاعاً عن السكايرية والمدخنين، لا بد من الاعتراف بأنهم يؤدون، دون أن يرتدوا وزرات أو يحملوا شارات رسمية، دوراً اقتصادياً يستحق التوقف عنده.
فبين سيجارة تُشعل، وكأس يُرفع، وخزينة الدولة التي تنتظر حصتها، تنشأ علاقة مالية غريبة، تجعل بعض عادات الاستهلاك تتحول إلى مورد مهم لتمويل الميزانية العامة.
مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتوقع تحصيل أكثر من 2300 مليار سنتيم من الضرائب المفروضة على التبغ والمشروبات الكحولية.
رقم ليس بالهين، ويجعل المدخن و«مول الكاس» يستحقان شهادة تقدير على مساهمتهما في تمويل مالية الدولة.
وتشير التوقعات إلى أن التبغ وحده سيوفر نحو 1932 مليار سنتيم، فيما يُرتقب أن تدر البيرة 215 مليار سنتيم، والمشروبات الكحولية القوية 182 مليار سنتيم.
وبعملية حسابية بسيطة، يتبين أن هذه الفئات من المستهلكين تساهم بمبالغ ضخمة في خزينة الدولة، حتى وإن كان بعضهم لا يعرف شيئاً عن تفاصيل قانون المالية، ولا يهمه من الميزانية سوى ما تبقى في جيبه بعد أداء الفواتير ومصاريف البيت.
هنا، يحق لنا أن نتساءل بسخرية: لماذا لا تمنح الدولة المدخنين والسكايرية وساماً اقتصادياً؟
أليسوا، وفق هذه الأرقام، مساهمين في تمويل جزء مهم من النفقات العمومية؟ أليس من حقهم أن يطالبوا، من باب السخرية، ببطاقة «مواطن دافع للضرائب من الدرجة الممتازة»؟
بل قد يتخيل المرء أن بعض المقاهي والحانات ومحلات بيع التبغ تحولت، دون أن تدري، إلى شبابيك غير مباشرة لتحصيل الموارد الجبائية.
وأن كل عملية شراء تحمل معها حصة للخزينة العامة.
لكن المفارقة تكمن في أن المواطن الذي يشتكي من الغلاء وضيق ذات اليد، والذي قد يلجأ إلى سيجارة أو كأس بحثاً عن لحظة استراحة من ضغوط الحياة، يجد نفسه يساهم، من خلال استهلاكه، في تمويل الميزانية التي يُفترض أن تساعد بدورها في تحسين ظروف عيشه.
إنها دائرة اقتصادية عجيبة: المواطن يدفع لأنه يستهلك، والدولة تستفيد من استهلاكه، ثم يعود المواطن نفسه ليواجه تكاليف الحياة بجيب أنهكته المصاريف والاقتطاعات.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن السكايرية لا يعني تشجيع استهلاك الكحول أو التبغ، ولا تجاهل مخاطرهما الصحية والاجتماعية.
بل يهدف إلى تسليط الضوء على مفارقة مالية تستحق النقاش: كيف يمكن أن تصبح سلوكات استهلاكية مرتبطة بمخاطر صحية مورداً مهماً لميزانية الدولة؟
فمن حق الدولة أن تعبئ مواردها لتمويل الصحة والتعليم والبنيات التحتية والحماية الاجتماعية.
لكن من حق المواطنين أيضاً أن يتساءلوا عن مدى عدالة توزيع العبء الضريبي، وعن البدائل التي يمكن اعتمادها لتوسيع الموارد دون تحميل المستهلك البسيط نصيباً إضافياً من الأعباء.
كما أن ارتفاع المداخيل المتأتية من هذه الضرائب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إنجازاً اجتماعياً في حد ذاته، لأن الهدف من السياسة الجبائية ليس بالضرورة دفع الناس إلى مزيد من الاستهلاك.
بل تحقيق التوازن بين تعبئة الموارد وحماية الصحة العامة والقدرة الشرائية.
إذا كان المدخن يساهم في الميزانية مع كل علبة سجائر، وإذا كان مستهلك المشروبات الكحولية يؤدي حصته الضريبية مع كل عملية شراء، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان هؤلاء يستحقون الشكر.
بل لماذا تظل جيوب المستهلكين حاضرة بقوة في معادلة تعبئة الموارد، بينما يستمر النقاش حول الحاجة إلى تنويع مصادر الإيرادات وتعزيز العدالة الجبائية.
أما السكايرية والمدخنون، فليواصلوا، في حدود القانون، أداء دورهم الضريبي المفترض، دون أن ينسوا أن أفضل مساهمة في الاقتصاد الوطني هي أن يعيش المواطن بصحة جيدة، وبقدرة شرائية تحفظ كرامته، وبميزانية أسرية لا تحتاج إلى سيجارة أو كأس حتى تستوعب صدمة آخر الشهر.
دفاعاً عن السكايرية، ليس لأن الكأس فضيلة أو السيجارة بطولة، بل لأن الواقع يكشف أحياناً ما تخفيه الأرقام الجافة: مواطن يبحث عن متنفس، وخزينة تبحث عن موارد، وميزانية تنتظر مساهمات الجميع.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال قائماً: هل نريد مواطناً يمول الميزانية باستهلاكه، أم مواطناً قادراً على العيش الكريم دون أن يتحول كل ما يشتريه إلى فرصة إضافية لملء الخزينة؟..
