إذا كانت الحكومة قد أتقنت فنّ القجاعة في جمع المليارات، فامتحان النجاعة هو أن تُقنع المغاربة بما أنجزته بها؛ فالأولى تُعلن بالأرقام، أما الثانية فلا تنجح فيها البلاغات.

* حنان فطراس

عطيونا خاطركم، على حد تعبير والي بنك المغرب.

400 مليار درهم للاستثمار العمومي، و825.6 مليار درهم من نفقات الدولة، و62 ملياراً للأولويات الاجتماعية، ومليارات أخرى في المداخيل والاقتراض والدعم.

حين يعرض فوزي لقجع مشروع قانون المالية لسنة 2027، يبدو المشهد غنياً بالأرقام إلى درجة قد توحي بأن حجم الإنفاق وحده دليل على قوة التدبير.

لكن المالية العمومية ليست مسابقة في جمع المليارات، والميزانية ليست عرضاً محاسبياً غايته إبهار المتلقي.

المشكلة ليست في حجم ما تعلن الحكومة أنها ستنفقه، بل في قدرتها على إثبات ما ستجنيه البلاد مقابله.

هنا يبدأ الفرق بين القجاعة والنجاعة.

الرقم المخصص للاستثمار العمومي لا يخص ميزانية الدولة وحدها؛ فهو يجمع 251 مليار درهم للمؤسسات والمقاولات العمومية، و124 ملياراً لميزانية الدولة، و25 ملياراً للجماعات الترابية.

أي أننا أمام استثمارات موزعة على جهات متعددة، بميزانيات ومسؤوليات وآليات تدبير مختلفة.

جمع هذه المبالغ في رقم واحد يسهل تقديمه سياسياً، لكنه لا يكفي لتقييم السياسة الاستثمارية.

فالمهم ليس فقط كم رُصد، بل كم صُرف فعلياً، وما أُنجز، وكم كلّف، وما القيمة الاقتصادية والاجتماعية التي أضافها.

ثم إن الاعتمادات المبرمجة ليست شيكاً على بياض، ولا تعني أن المبلغ كله سيتحول إلى مشاريع منجزة خلال سنة واحدة.

قد تتأخر الأوراش، وقد تتجاوز الكلفة التقديرات، وقد تنتهي مشاريع دون المردودية المرجوة.

لكن حصيلة المليارات لا تكشف وحدها مردودية الاستثمار.

فمن يراقب التنفيذ؟ ومن يقيس النتائج؟.

ومن يتحمل المسؤولية عن التأخير وتضخم الكلفة وضعف الأداء؟.

فالاستثمار الذي لا يُقاس أثره لا يصبح ناجحاً بمجرد رصد الاعتمادات له.

تتوقع الحكومة تراجع نسبة دين الخزينة من 67.5% من الناتج الداخلي الخام سنة 2026 إلى 66.9% سنة 2027، في أفق بلوغ 62% سنة 2031.

لكن النسبة وحدها لا تحكي القصة كاملة.

فخدمة الدين وتسديد أصله سيكلفان نحو 115.3 مليار درهم، منها 45.9 ملياراً للفوائد والعمولات، و69.4 ملياراً لتسديد أصل الدين متوسط وطويل الأجل.

كما تبلغ حاجيات التمويل الإجمالية نحو 159 مليار درهم، مقابل اقتراض متوقع متوسط وطويل الأجل في حدود 120 ملياراً.

هذه الأرقام لا تعني أن الدولة تنفق 115 مليار درهم على الفوائد؛ فجزء مهم منها يتعلق بتسديد أصل الدين.

لكنها تكشف حجم الموارد التي يجب تعبئتها للوفاء بالتزامات سابقة، بالتوازي مع تمويل الالتزامات الجديدة.

وتراجع نسبة الدين إلى الناتج لا يكفي وحده للحكم على تحسن الوضع المالي.

ينبغي النظر أيضاً إلى كلفة الاقتراض، وآجاله، وحاجيات إعادة التمويل، وقدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة والموارد التي تسمح للدولة بالوفاء بالتزاماتها.

ليس كل انخفاض في النسبة تحسناً بالدرجة نفسها، وليس كل اقتراض خطراً في حد ذاته؛ المعيار هو ما إذا كانت كلفته مبررة بما ينتجه من قيمة.

وتبقى جدوى الاقتراض رهينة بما تنتجه الاستثمارات من قيمة اقتصادية وموارد إضافية.

فهل تساهم المشاريع الممولة بالاقتراض في توسيع قاعدة الإنتاج والتشغيل والموارد الضريبية، أم تتراكم الالتزامات قبل أن تظهر مردوديتها؟.

وفي هذا السياق، رفع صندوق النقد الدولي، في اختبار ضغط لاستدامة الدين، الصدمة الافتراضية المرتبطة بالالتزامات المالية المحتملة للمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية إلى 16.5% من الناتج الداخلي الخام، مقابل 12.4% في التقييم السابق.

وهذا ليس توقعاً بارتفاع الدين فعلياً بهذه النسبة، ولا إعلاناً عن أزمة وشيكة.

فالصندوق يعتبر الدين المغربي مستداماً باحتمال مرتفع، مع مخاطر ضغط سيادي متوسطة.

لكن التنبيه يستحق الانتباه: المخاطر المالية لا تقف عند الدين المسجل مباشرة في حسابات الدولة.

فقد تتحول صعوبات بعض المؤسسات أو الجماعات، أو تعثر مشاريعها، إلى أعباء إضافية على الميزانية.

لذلك، يقتضي تدبير هذه الالتزامات نشر حسابات المؤسسات العمومية وضماناتها، وتحديد المسؤوليات عن المخاطر التي قد تنتقل إلى ميزانية الدولة.

فمن يتحمل كلفة الاختلالات حين تعجز مؤسسة عمومية عن الوفاء بالتزاماتها؟.

وما الضمانات التي تحمي المال العام من أداء فاتورة قرارات لم تخضع للتقييم الكافي؟.

الميزانية لا تُختبر في السيناريو المتفائل وحده، بل في قدرتها على الصمود عندما لا تسير الأمور كما خُطط لها.

تعتمد الحكومة على نمو بنسبة 3.7% سنة 2027، ومحصول حبوب في حدود 70 مليون قنطار، وسعر متوسط للغاز البوتان يبلغ 600 دولار للطن، وسعر للنفط في حدود 75 دولاراً للبرميل.

هذه فرضيات لبناء الميزانية، وليست نتائج مضمونة.
فإذا تراجع المحصول الزراعي، تأثر النمو والدخل القروي والطلب الداخلي؛ وإذا ارتفعت أسعار الطاقة، انعكس ذلك على كلفة الإنتاج والنقل وعلى حسابات الدعم والميزانية.

وفي المقابل، يستهدف البرنامج الحكومي نمواً متوسطاً في حدود 5% خلال الفترة 2027–2031.

لا يوجد تناقض حسابي مباشر بين الهدف المتوسط وتوقع سنة واحدة، لكن الفارق يستدعي توضيح مصادر النمو الإضافي.

هل ستأتي من الاستثمار المنتج، أم من تحسن الإنتاجية، أم من قطاعات قادرة فعلاً على خلق الثروة وفرص الشغل؟.

لا يكفي أن تضع الحكومة هدفاً أعلى من توقعاتها، عليها أن تشرح كيف ستصنع الفارق، وبأي أدوات، وعلى أي أساس اقتصادي.

تتوقع الحكومة بلوغ المداخيل العادية للميزانية العامة 482.4 مليار درهم، منها 437.4 ملياراً من المداخيل الضريبية، مع ارتفاع إجمالي الموارد الضريبية المتوقع بنسبة 16.3%.

كما يُرتقب أن تصل مداخيل الضريبة على الشركات إلى 126 مليار درهم، بزيادة 31.8%.

هذه قفزة تستحق التفسير، لا الاكتفاء بإدراجها ضمن مؤشرات التفاؤل.

ما الجزء الناتج عن نمو مستدام في أرباح الشركات وتحسن الامتثال الضريبي؟.

وما الجزء المرتبط بأداء قطاعات بعينها أو بعوامل قد لا تتكرر؟.

وكيف ستتأثر هذه المداخيل إذا تباطأ النشاط الاقتصادي؟.

وتتوقع الحكومة أيضاً نحو 45 مليار درهم من المداخيل غير الضريبية، بينها 28 ملياراً من عائدات الاحتكارات والاستغلال والمساهمات المالية للدولة، و6 مليارات من تفويت مساهمات الدولة.

وهنا ينبغي التمييز بين مورد يتكرر بانتظام ومورد يأتي من تفويت أصل.

فالتفويت قد يوفر سيولة، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى مصدر سنوي مستدام.

كما أن تقييمه لا يتوقف عند المبلغ المحصل، بل يشمل ما إذا كانت العملية تحقق قيمة مناسبة للدولة وكيف ستُستعمل حصيلتها.

فالميزانية التي تموّل نفقات دائمة بموارد استثنائية تُضيّق على نفسها هامش الحركة في السنوات المقبلة.

ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الموارد المحققة والموارد المتوقعة، وبين ما يضمنه التحصيل الفعلي وما تفترضه التقديرات.

فمحاربة التهرب الضريبي وتحسين التحصيل وتوسيع الوعاء أهداف ضرورية، لكنها لا تصبح أموالاً في الخزينة بمجرد الإعلان عنها.

تعلن الحكومة تعبئة نحو 62 مليار درهم خلال سنة 2027 لتنزيل أولويات اجتماعية تشمل إجراءات مرتبطة بالأجور والمعاشات والدعم وغيرها.

لكن جمع النفقات تحت عنوان اجتماعي لا يعفينا من فحص مضمونها:

كم تبلغ كلفة كل إجراء على حدة؟.

من المستفيد؟.

ما أثره المتوقع؟.

وهل يستمر تمويله في السنوات المقبلة بالمستوى نفسه؟.

والأمر أوضح في ملف القدرة الشرائية.

فقد قال لقجع إن الحكومة أنفقت 280 مليار درهم خلال خمس سنوات لدعمها، مع الإقرار بأن النتائج جاءت دون التوقعات.

اعتراف الحكومة بضعف النتائج يفرض تفسير أسباب الفجوة بين حجم الإنفاق والأثر الذي تحقق.

إذا أنفقت الحكومة هذا الحجم من الموارد ولم تحقق النتائج التي انتظرتها، فمن الضروري تحديد أين تعثر الأثر، وكيف وُزعت الاستفادة، وما الذي ستغيره الحكومة حتى لا يتكرر الخلل.

حجم الإنفاق لا يثبت نجاح السياسة؛ بل يجعل ضعف نتائجها أكثر إلحاحاً على المساءلة.

وينطبق المنطق نفسه على الصحة والتعليم.
فارتفاع الميزانيات لا يجيب وحده عن أسئلة الخصاص في الأطباء، وطول مواعيد الانتظار، وجودة التمدرس، والهدر المدرسي، والفوارق المجالية.

المواطن لا يتلقى خدمة عمومية على شكل اعتماد مالي؛ يتلقاها في مستشفى ومدرسة وإدارة.

إذا ارتفعت الميزانية ولم يتحسن أداء المرفق بالقدر المرجو، فالمطلوب تحديد أين ذهبت الموارد، وما الذي منعها من التحول إلى خدمة أفضل.

وفي التشغيل، يتضمن المشروع إحداث 34,454 منصباً مالياً في القطاع العام سنة 2027.

وهي مناصب لها أهميتها، لكنها لا تكفي للحكم على قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل مستدامة.

فالمطلوب معرفة توزيعها بحسب القطاعات والخصاص الفعلي، إلى جانب ما ستفعله السياسات الاقتصادية لتحفيز التشغيل في القطاع الخاص.

أما نفقات التسيير، فلا يصح اعتبارها هدراً في حد ذاتها، لأنها تشمل الأجور والخدمات الضرورية.

لكن من حق المواطنين معرفة ما إذا كانت الزيادة في الإنفاق ترفع جودة المرافق العمومية، أم ترفع كلفتها فقط.

المطلوب ليس إنفاقاً أقل كيفما كان، بل قيمة أكبر مقابل كل درهم من المال العام.

يقترح المشروع رفع الضريبة على الشركات الكبرى العاملة في استيراد المحروقات أو توزيعها، التي يتجاوز ربحها الصافي 100 مليون درهم، من 35% إلى 40%.

وقد يرفع ذلك موارد الخزينة، لكن الأثر النهائي يتوقف على ظروف السوق وسلوك الشركات ومدى انتقال جزء من الكلفة إلى الأسعار.

كما يتضمن تعديلات ضريبية على النبيذ والجعة وبعض المشروبات الكحولية.

والحكم على مردودية هذه الإجراءات لا يكون بالنظر إلى النسب الجديدة وحدها، بل بالحصيلة المتوقعة، وقدرة الإدارة على التحصيل، والتغير المحتمل في المبيعات والسوق غير النظامية.

فالضريبة الأعلى لا تضمن بالضرورة إيرادات أعلى، كما أن رفعها على الشركات لا يعني تلقائياً أن المستهلك لن يتحمل جزءاً من أثرها.

وهذه مسائل تحتاج إلى تقديرات واضحة، لا إلى الاكتفاء بتسجيل موارد إضافية في جدول المداخيل.

وفي قراءته لمشروع قانون المالية لسنة 2027، توقف الاقتصادي زكرياء فيرانو، في مادة منشورة بصحيفة Le360، عند التحدي المتمثل في تمويل الالتزامات الاجتماعية مع التحكم في العجز والمديونية، والفارق بين توقع النمو والهدف الحكومي، ومدى انعكاس التخفيضات المعلنة في الضريبة على الدخل على القدرة الشرائية.

وتؤكد هذه الملاحظات أن أثر الإجراءات على المواطنين لا يُستنتج من صياغتها في مشروع الميزانية، بل يُقاس بنتائجها الفعلية.

لا تُقاس النجاعة بجمع النفقات في عناوين كبرى، بل بقدرة كل نفقة على تحقيق نتيجة قابلة للقياس.

لا يكفي أن تعلن الحكومة حجم الاستثمار، بل عليها أن تكشف معدل الإنجاز ومردودية المشاريع.

ولا يكفي أن تعلن موارد ضريبية مرتفعة، بل عليها أن توضح مدى استدامتها.

ولا يكفي أن تجمع الإنفاق الاجتماعي في رقم كبير، بل عليها أن تثبت أثره على دخل الأسر وجودة الخدمات وفرص الشغل.

هذا هو الفارق بين ميزانية تُحسن عرض أرقامها وميزانية تُحسن تدبير المال العام.

المغاربة لا يحتاجون إلى أرقام أكبر فقط، بل إلى أجوبة واضحة مثل:

ما الذي تحقق مقابل ما أُنفق؟ .

ما المخاطر التي تتحملها المالية العمومية؟ .

هل الموارد المتوقعة قابلة للتحقق والاستمرار؟ .

ومن يتحمل المسؤولية حين لا تتحول الاعتمادات إلى نتائج؟.

فالاعتمادات تقيس ما خُصص، أما النجاعة فتُقاس بما تغيّر في حياة المواطنين.

وإذا كانت الحكومة قد أتقنت فنّ القجاعة في جمع المليارات، فامتحان النجاعة هو أن تُقنع المغاربة بما أنجزته بها؛ فالأولى تُعلن بالأرقام، أما الثانية فلا تنجح فيها البلاغات.

* برلمانية اتحادية سابقة وكاتبة سياسة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *