مع كل استحقاق انتخابي حاسم، تسعى الأحزاب إلى الجمع بين جاذبية الأفكار وثقل الأسماء؛ وفي وقت تشتد فيه المنافسة الميدانية والرقمية، تغدو الوجوه المخضرمة ورقة الجوكر التي أُعيد رسم معالمها لترجيح كفة الصناديق.

عادل الشاوي/ Le12.ma

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، لا تقتصر استعدادات الأحزاب السياسية على إعداد البرامج الانتخابية وصياغة الوعود الموجهة إلى الناخبين، بل تمتد أيضا إلى إعادة ترتيب أوراقها الميدانية واستنفار رصيدها البشري والسياسي، في سباق لا تحسمه البرامج وحدها، وإنما تلعب فيه الأسماء والوجوه المعروفة دورا لا يقل أهمية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الوجوه السياسية المخضرمة يتقوى حضورها في المشهد الانتخابي، باعتبارها واحدة من الأوراق التي يمكن للأحزاب توظيفها لتعزيز مكانتها والمحافظة على بريقها، خصوصا في المدن والدوائر التي تظل فيها المعرفة السابقة بالفاعلين السياسيين، والقدرة على التواصل مع الناخبين، عاملا مؤثرا في رسم الخريطة الانتخابية.

الاتحاد الدستوري يقدم، في هذه المرحلة، أحد النماذج الدالة على هذا التوجه. فبالتزامن مع اقتراب انطلاق الحملة الانتخابية، يعتزم حزب “الحصان”، يوم غد الاثنين بالدار البيضاء، تقديم برنامجه الانتخابي برسم الاستحقاقات التشريعية المقبلة، خلال ندوة ستجمع قيادة الحزب وممثلي وسائل الإعلام الوطنية والدولية.

اللقاء، المرتقب تنظيمه ابتداء من الساعة السادسة مساء بأحد فنادق المدينة، ينتظر أن يشكل مناسبة للكشف عن الخطوط العريضة للبرنامج الانتخابي للحزب، وما يحمله من التزامات في عدد من المجالات ذات الصلة المباشرة بالحياة اليومية للمواطنين، من التشغيل وتحسين القدرة الشرائية، إلى التعليم والصحة، فضلا عن العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين المناطق.

غير أنه، قبل هذه المحطة بساعات، اختار الاتحاد الدستوري الاستثمار أيضا في ورقة “الوجه السياسي المخضرم”، وأخرج أحد “الأسماء الدستورية الثقيلة” إلى الواجهة في أحدث نشاط له بالعاصمة الاقتصادية، في خطوة لم يغفل من خلالها توظيف هذه “الأيقونات السياسية” في حساباته الانتخابية، على غرار مكونات سياسية أخرى لم تدخر هي أيضا في توظيف أسمائها السياسية ذات الحضور القوي تحضيرا لهذا الاستحقاق.

واستعان الأمين العام للحزب محمد جودار بالأمين العام السابق للحزب محمد ساجد، الذي عاد إلى الظهور بعد غياب عن المشهد السياسي لفترة طويلة.

اختيار ساجد لم يكن تفصيلا عابرا في سياق انتخابي تتجه فيه الأحزاب إلى تعبئة مختلف أوراقها. فالرجل راكم تجربة سياسية ومؤسساتية طويلة، وكان عمدة سابقا للدار البيضاء، كما تولى حقيبة وزارية، فضلا عن مسار برلماني امتد لسنوات.

وبناء على هذا الحضور، يمكن قراءة ظهور ساجد في هذا التوقيت في الساحة الانتخابية باعتباره محاولة للاستفادة من رصيد يتجاوز الموقع التنظيمي داخل الحزب.

ففي زمن أصبحت فيه الحملات الانتخابية تعتمد بشكل متزايد على المنصات الرقمية والصورة، ارتأى الحزب أن يوظف بدوره أحد صوره المألوفة لدى الكازاويين، في ظل الحضور القوي للرموز السياسية لباقي المكونات، في الميدان وعلى الساحة الرقمية.

وهنا تحديدا تتحول الشخصيات السياسية المخضرمة إلى ما يشبه “قوة دعم” للحزب. فوجود شخصية ذات حضور سابق قد يمنح خطاب الحزب قدرا من القوة، ويعزز حضوره في الميدان، كما يمكن أن يوسع دائرة التواصل مع فئات من الناخبين.

ولا يتعلق الأمر بالاتحاد الدستوري وحده، إذ إن غالبية المكونات السياسية تستفيد، على بعد أسابيع من محطة 23 شتنبر، من أسمائها السياسية التي راكمت حضورا طويلا داخل المؤسسات والأحزاب، سواء للمشاركة المباشرة في المنافسة أو لمساندة مرشحين آخرين. وفي الحالتين، تصبح الخبرة السياسية جزءا من أدوات المنافسة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بانتخابات تقوم بدرجة كبيرة على الحضور المحلي والقدرة على تعبئة الناخبين.

وبالنسبة إلى الاتحاد الدستوري، فإن استعانة جودار بساجد في هذه المرحلة الانتخابية تحمل، من هذه الزاوية، أكثر من دلالة. فهي تعكس رغبة في استثمار “صورة الخبرة” والحضور إلى جانب التجديد، وتحويل الرصيد السياسي المتراكم إلى عنصر مساند للمعركة المقبلة، في وقت يرفع فيه الحزب إيقاع حضوره الميداني والرقمي استعدادا للاستحقاقات التشريعية.

وبذلك، يبرز أنه في زمن تتغير فيه أدوات التواصل، تظل الخبرة والعلاقات والحضور الميداني رأسمالا تحرص الأحزاب على استثماره عندما تقترب ساعة الاقتراع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *