45.4 مليار درهم للصحة، و121.3 مليار درهم للتعليم، و10.4 مليار درهم للسكن، و25 مليار درهم للتنمية الترابية.. أرقام ضخمة ترسم ملامح الرهان الاجتماعي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في مشروع قانون المالية لسنة 2027، لكنها تفتح في المقابل سؤالا جوهريا: هل تكفي الميزانيات المعلنة لإقناع المغاربة بأن الدولة الاجتماعية بدأت فعلا تصل إلى حياتهم اليومية؟
إدريس لكبيش/ Le12.ma
تقدم حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مشروع قانون المالية لسنة 2027 باعتباره خطوة لتعزيز الدولة الاجتماعية، من خلال رفع الاعتمادات المالية المخصصة للصحة والتعليم والسكن والتنمية الترابية.
غير أن الأرقام، مهما بلغ حجمها، لا تكفي وحدها لإثبات نجاح السياسات العمومية، ولا يمكن قياس أثرها الحقيقي بمجرد الإعلان عن مليارات الدراهم ومناصب مالية جديدة.
فالمعيار الأساسي يظل مرتبطا بما سيجده المواطن في المستشفى والمدرسة، وبمدى قدرته على الحصول على سكن لائق، وبحجم التحسن الذي ستشهده المناطق التي ظلت تعاني من نقص التجهيزات والخدمات.
الصحة.. ميزانية أكبر وأسئلة معلقة
خصص المشروع 45.4 مليار درهم لقطاع الصحة، بزيادة تقارب 3 ملايير درهم مقارنة بسنة 2026، إلى جانب إحداث 8000 منصب مالي.
وتراهن الحكومة على هذه الاعتمادات لتطوير البنيات الاستشفائية، واستكمال تعميم المجموعات الصحية الترابية، وإعادة تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الأولية و90 مستشفى، فضلا عن إنجاز مستشفيات جديدة وتشغيل مؤسسات استشفائية جامعية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ستنعكس هذه الزيادة على واقع الخدمات الصحية بالسرعة والفعالية المطلوبتين؟
فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة الصحية بحجم الميزانية المخصصة للقطاع، بل بقدرته على الحصول على موعد طبي في وقت معقول، وإجراء الفحوصات دون انتظار طويل، والاستفادة من العلاج والأدوية في ظروف تحفظ كرامته.
كما أن بناء المستشفيات وتأهيل المؤسسات الصحية يظل خطوة ضرورية، لكنه لا يحقق أهدافه كاملة دون توفير الموارد البشرية الكافية، وتحسين ظروف عمل الأطر الطبية والتمريضية، وضمان توزيع عادل للتجهيزات والخدمات بين المدن والمناطق القروية.
ومن هنا، فإن التحدي لا يتعلق فقط برفع الإنفاق، بل بكيفية تدبيره وتحويله إلى خدمات ملموسة، مع نشر مؤشرات واضحة تسمح بتقييم النتائج ومحاسبة المسؤولين عن التعثرات.
التعليم.. مليارات جديدة واختبار الجودة
وفي قطاع التربية الوطنية والتعليم العالي والتكوين المهني، خصص المشروع 121.3 مليار درهم، بزيادة تبلغ 5.3 مليار درهم، مع إحداث 17.874 منصبا ماليا.
وتشمل الأهداف المعلنة تعميم التعليم الأولي، ومحاربة الهدر المدرسي، وتطوير التعليم العالي والبحث العلمي، وإحداث 49 مؤسسة جامعية جديدة، فضلا عن افتتاح ثلاث مدن للمهن والكفاءات.
ورغم أهمية هذه المشاريع، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تجاوز الفجوة بين الطموحات المعلنة والنتائج التي تحققها المنظومة التعليمية على أرض الواقع.
فزيادة الميزانية لا تعني تلقائيا تحسن مستوى التعلمات، كما أن إحداث المؤسسات الجامعية لا يكفي إذا لم يواكبه توفير التأطير البيداغوجي والتجهيزات اللازمة، وضمان جودة التكوين وارتباطه بحاجيات سوق الشغل.
وتظل محاربة الهدر المدرسي بدورها اختبارا حقيقيا لمدى قدرة الحكومة على معالجة الأسباب الاجتماعية والمجالية التي تدفع بعض التلاميذ إلى مغادرة مقاعد الدراسة، خصوصا في المناطق القروية والمجالات التي تعاني من ضعف البنيات الأساسية.
لذلك، فإن الرهان لا ينبغي أن يقتصر على عدد المؤسسات والمناصب التي ستُحدث، بل يجب أن يمتد إلى جودة التعليم، وتقليص الفوارق بين المدارس، وتحسين فرص النجاح والإدماج المهني.
السكن.. الدعم المباشر لا يحل وحده أزمة القدرة الشرائية
أما في قطاع السكن والتعمير، فقد رصد المشروع اعتمادات استثمارية بقيمة 10.4 مليار درهم، مع مواصلة برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي استفاد منه 128 ألف مواطن إلى غاية شتنبر 2026، وفق المعطيات المقدمة.
وتسعى الحكومة أيضا إلى تسريع برامج القضاء على السكن غير اللائق، وتبسيط إجراءات البناء، وإطلاق برنامج مدمج للسكن القروي.
لكن استمرار الدعم يطرح أسئلة حول مدى قدرة هذه الآلية على الاستجابة لمختلف فئات المجتمع، في ظل تفاوت المداخيل وتكاليف السكن واختلاف الأسعار بين المناطق.
فالحصول على دعم مالي لا يعني بالضرورة أن السكن أصبح في متناول جميع الأسر، خاصة عندما تكون كلفة الاقتناء والتمويل والالتزامات المرتبطة به مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للمواطنين.
كما أن نجاح السياسة السكنية لا يقاس بعدد المستفيدين وحده، بل بمدى استهداف الفئات التي تواجه صعوبات حقيقية في الولوج إلى السكن، وبقدرة البرامج المعتمدة على الحد من السكن غير اللائق، وتوفير بدائل ملائمة في العالم القروي.
ومن ثم، فإن التحدي المطروح أمام الحكومة هو ضمان أن يتحول الدعم إلى أداة لتوسيع فرص امتلاك السكن، لا مجرد مساهمة مالية قد تختلف آثارها بحسب وضعية كل أسرة وسوق العقار.
التنمية الترابية.. 25 مليار درهم أمام امتحان العدالة المجالية
وفي مجال التنمية الترابية، تعتزم الحكومة إطلاق الجيل الجديد من البرامج المندمجة بغلاف مالي يقدر بـ25 مليار درهم، مع إحداث هياكل جهوية للتنفيذ وإطلاق منصة رقمية تتيح تتبع تقدم المشاريع.
ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة بالنظر إلى استمرار التفاوت في توزيع التجهيزات والخدمات بين الجهات، وبين المراكز الحضرية والمناطق القروية.
لكن تخصيص الاعتمادات المالية لا يضمن، في حد ذاته، عدالة توزيع المشاريع، إذ يظل النجاح رهينا بوضوح الأولويات، ودقة تشخيص الحاجيات، وشفافية اختيار المشاريع، ومدى إشراك السكان والمنتخبين والفاعلين المحليين في تحديد ما تحتاجه مناطقهم فعليا.
كما أن إطلاق منصة رقمية لتتبع الإنجاز قد يعزز الشفافية، لكنه لن يكون كافيا ما لم تُنشر معطيات دقيقة ومحيّنة حول كلفة المشاريع، وآجال تنفيذها، ونسب تقدمها، وأسباب التأخر أو التعثر عند حدوثه.
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة أن مشروعا ما قد أُدرج في الميزانية، بل يريد أن يعرف متى سينجز، ومن يتحمل مسؤولية تأخره، وما إذا كان سيستجيب فعلا لحاجيات المنطقة.
الإنفاق الاجتماعي.. العبرة بالتنفيذ لا بحجم الأرقام
تكشف الاعتمادات المرصودة في مشروع قانون المالية لسنة 2027 عن حجم الرهان الذي تضعه الحكومة على القطاعات الاجتماعية. غير أن القراءة النقدية لهذه الأرقام تقتضي التمييز بين الأموال المبرمجة والنتائج التي ستتحقق فعليا.
فميزانية القطاع ليست في حد ذاتها مؤشرا كافيا على جودة الخدمات، وعدد المناصب المحدثة لا يعكس وحده مدى سد الخصاص، كما أن الإعلان عن مشاريع جديدة لا يعني بالضرورة إنجازها في الآجال المحددة.
ومن هذا المنطلق، سيكون من الضروري تقييم أداء الحكومة بناء على مؤشرات قابلة للقياس، تشمل جودة الخدمات الصحية، ومستوى التعلمات، ومدى استفادة الفئات المستهدفة من الدعم السكني، وتراجع الفوارق المجالية، ونسبة إنجاز المشاريع المعلنة.
كما يظل نشر المعطيات المتعلقة بالتنفيذ المالي والميداني، وإتاحة المعلومات أمام الرأي العام، وتعزيز آليات المراقبة والمساءلة، عناصر أساسية لضمان توجيه الموارد العمومية نحو الأولويات الفعلية للمواطنين.
وفي المحصلة، لا يتعلق الاختبار الحقيقي لحكومة المنصوري بقدرتها على إعلان ميزانيات ضخمة فحسب، بل بمدى نجاحها في تحويل هذه الاعتمادات إلى مستشفيات تقدم خدمات أفضل، ومدارس تحقق تعلمات أجود، وسكن أكثر قابلية للتحمل، ومشاريع تنموية تقلص الفوارق بين المناطق.
فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد المليارات المرصودة في الوثائق الرسمية، وإنما بما تحدثه من تغيير ملموس في حياة المواطنين، وبمدى شعورهم بأن الخدمات والفرص أصبحت أكثر إنصافا وعدالة.
