في بداية العمل بمدونة الأسرة، تلقت وزارة العدل عدة أسئلة حول نصوص استعصت على الفهم وتباينت طرق تطببقها. وعلى ضوء ذلك أعد دليل لتفسير ما أشكل على القضاة من مواد المدونة بهدف توحيد العمل القضائي.

ومن بين الأبواب التي كانت محل استفسار وجواب: باب أسباب التطليق بصفة عامّة، والتطليق للشقاق على وجه الخصوص..

لم تشفع نصوص المدونة ولا تفسيرات الدليل في ثني المتقاضين عن الإقبال على مسطرة التطليق للشقاق، ما أنذر وينذر بتفكك الأسرة المغربية والعزوف عن الزواج.

وقد أبديت رأيي في هذا الموضوع حينئذ وبيّنت مكامن الخلل وسبل العلاج، سواء في ما عقدناه من ندوات أم ما كتبتُ من مقالات أم ما وجهت من اقتراحات إلى مديرية الشؤون المدنية آنذاك.

إن دليل مدونة الأسرة ساهم إلى حد ما في تكاثر مسطرة التطليق للشقاق وازدهارها من خلال أوجه التفسير التي قدّمها، وهنا يكمن الخلل. ويتجلى ذلك في ما يلي:

1- عندما سأل السائل هل مسطرة التطليق خاصة بالمرأة دون الرجل أم بهما معا، أجاب الدليل بأنها متاحة لهما معا؛ وهذا خطأ نتجت عنه عدة آثار سلبي، ما اضطر القضاء على مستوى محكمة النقض إلى أن يرتدي بذلة المشرّع لوقف نزيف التطليق للشقاق بعد أن أضحى ظاهرة اجتماعبة بامتياز.

2- عندما لم يجز الدليل للقضاة إمكانية رفص طلب التطلبق للشقاق وأضحت النتيجة معلومة منذ فتح ملف الدعوى، استسهل المتقاضون خطورة الطلاق وأقبلوا بشراهة على مسطرة التطليق للشقاق لأتفه الأسباب، بل وأحيانا بدون سبب، سواء كان جديا أم تاقها.

3- تم إفراغ باقي أسباب التطليق الأخرى من محتواها ووظيفتها وأضحت حبرا على ورق، والإحصائيات الرسمية خير دليل على ذلك.

4- إن حرمان محكمة الاستئناف من دورها، سواء في مناقشة سبب التطلبق أم إمكانية إصلاح ذات البين ببن الزوجين، وعزف الدليل على ذات الوتر، تقيدا بالنص ساهم إلى أبعد حد في تكاثر مسطرة التطليق لللشقاق ونجاح المتقاضين المتمرّسين في ابتكار أقصر الطرق لتحقيق الغاية.

5- إن عدم التريث في إصدار الدليل وانتظار مدة زمنية كافية لإنجاز تصور معقول للإشكاليات والبحث عن الحلول الشافية، وليس فقط المسكّنات المهدئة، ساهم بنسبة أكبر في دخول المناشير والدوريات على الخط. كما اجتهد القضاء في ما فيه نص قطعي الثبوت والدلالة، فحرَم طالبة التطليق من المتعة لوقف نزيف التطليق للشقاق.

6- إن عدم فتح الباب أمام القضاة ذوي الكفاءة والتجربة وكذا الفقهاء من رجال القانون لإبداء الرأي غداة صدور مدونة الأسرة وتضييق الخناق من قبَل وزير العدل آنذاك على القضاة الباحثين لاقتراح ما يرونه صائبا زاد تعميق المشاكل وتراكمها وصعوبة إيجاد الحلول لاتساع رقعة المواد الغامضة التي تقتضي التدخل التشريعي وليس الحكم القضايي.

7- إن الفرصة السنوية التي تحتفل بمدونة الأسرة كخيار مجتمعي رائد كان يمكن استغلالها لشحذ معول التغيير في العديد من مقتضياتها التي ثبت عمليا عجزها عن تحقيق الغاية التي توخاها منها المشرّع وقت سنها.

8- إن العديد من المبادئ التي تعدّ من أبجديات مسطرة التقاضي وأسس التنظيم القضايي المغربي تم حذفها بهدف رفع التعثر الذي كان يطيل أمد مسطرة التطليق، وثبت بعد ذلك أنه لا غنى عنها، مثل مبدأ التقاضي على درجتين. كما أن التفعيل النظري لدور النيابة العامة لم يتأكد على أرض الواقع. فعالبا ما لا يستجاب لدعاواها وملتمساتها متى لم يبادر الطرف المعني في الدعوى لمباشرتها. وتغل يد النيابة العامة متى أيقنت أن التطليق للشقاق غبر مبرر أو أنها لم تدل بملتمسها، فلا تستطيع الطعن بصريح النص.

إذا كنت قد استعرضت مكامن الخلل الذي حال دون التفعيل اأمثل لمدونة ااسرة بالرغم من الثورة التشريعية التي أحدثتها غداة صدورها، فإن سبل العلاج التي اقترحتها في السنة الأولى من بدابة العمل بها لو لقيت تشجيعا أو قبولا وصيغ البعض منها في شكل مواد قانونية أو تفسيرات تضمّنها الدليل لربما كانت حلولا من شأنها أن تعقلن مسطرة التطليق للشقاق بحسب الغاية التي توخاها المشرّع، وهي كالآتي:

1- ليس هناك سبب مستقل اسمه التطليق للشقاق.. الشقاق نقطة خلافية ببن الزوجين يعرضانها أو يعرضها أحدهما على قاضي الأسرة، الذي يحاول إيجاد حل لها، بجميع الوسائل التي يضعها بين يديه المشرع. فإذا نجح في رأب الصدع بين الزوجين المتخاصمين حرر محضرا بذلك وانتهى الأمر.. فإن لم يكلل مسعاه بالتوفيق كيّف النازلة على ضوء النقطة الخلافية التي لا تخرج إطلاقا عن أساب التطليق التقليدية المعروفة، من هجر وإيلاء وعدم إنفاق وعيب وضرر والإخلال بالشروط المتفق عليها.. لتباشر المسطرة من لدن الزوجة بناء على السبب الذي تعتمده. فإن كان الزوج هو المتضرر فله سلوك مسطرة الطلاق بحسب الفصول المنظمة له؛ ذلك أن المشرع حافظ على مسطرة الطلاق بيد الرجل ولم يضف إليها سوى تتويجها بحكم قصائي بدلا من رسم الطلاق التقليدي.

إن هذا الرأى يشبه إلى حد ما لزومية سلوك مسطرة الصلح الودي التي لا غنى عنها في التشريع المصري عند سلوك مسطرة التطليق للشقاق.

إن هذا الاقتراح له عدة مزايا، فهو يضفي طابع الجدية على الشقاق القائم بين الزوحين لارتباطه المباشر بأسباب التطليق المنصوص عليها في فصول من مدونة الأسرة، ثم إن دور فاضي الأسرة يصبح أكثر إيجاببة من الدور الحالي، فهو بين خيارين لا ثالت لهما: الوصول إلى عقد صلح بين الزوجين أو البتّ في مسطرة الطلاق متى كان الزوج هو صاحب المبادرة، أو مسطرة التطليق في إطار الأسباب العتمدة من الزوجة.

إن الوصف النهائي غير القابل للطعن ينحصر فقط في الإشهاد على الصلح الذي انتهى به الشقاق، أما مسطرة التطليق للأسباب الاخرى فتخضع في سيرها وآثارها للأحكام المنظمة لها في مدونة الأسرة.

إن هذا الاقتراح يفعّل أسباب التطليق التي خلدت إلى الجمود منذ دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق. فلم يقبل المتقاضون إلا على دعاوى الشقاق نظرا للفهم السيء لمقتضيات المواد المنظمة لها.

2- إن السرعة القياسية التي عرفها مآل مسطرة التطليق للشقاق فوّت على محكمة الدرجة الثانية فرصة الوقوف على عدة إخلالات شكلية وجوهرية. بل قد نتهي العلاقة الزوجية بحكم باطل هو والعدم سواء، لذا ارتاى نظرنا، وعملا بالأثر الناشر للاستئناف، تمكين هذه الجهة من مراقبة الحكم الابتدائي وإثارة الدفوع المؤثرة على سلامته من العيوب المبطلة له. وفي هذا الصدد اقترحنا إمكانيتين لرفع الثعتر الذي كان هو الدافع لرفع العبء على المراة من جراء زواج فاشل، وذلك بإلزام محكمة الدرجة الثانية بالبت، في أول جلسة، في موضوع الفسخ أو الفرقة أو التطليق من حيث الشكل والمضمون. ولا مانع لديها أن تبتّ في الالتزامات المالية لاحقا خلال أجل يحدده القانون أو أن يتم اختصار أمد الطعن والبت إلى اقصى الحدورد لرفع العبء والتعثر. والغاية من ذلك هي بسط رقابة محكمة الاستئناف على أحكام التطليق للشقاق لوقف نزيفها المتزايد.

3- إن هذا الاقتراح يجنب المحاكم، خاصة محكمة النقض، الإحراج الذي يدفع بها إلى التدخل بين الفينة والأخرى بما يسد الثغرات في شكل حكم قضائي تلزم به محاكم الموضوع، كما هو الحال في موضوع المتعة عندما وقع التمييز في مسطرة الشقاق بين الرجل والمرأة وترتيب أثر الحرمان من المتعة في الحالة الثانية كقيد اضطراري يكبح جماح النساء اللواتي أقبلن على مسطرة التطليق بشراهة لا توصف..
رشيد مشقاقة -رئيس المنتدى المغربي القضاة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.