عبد الرزاق بوتمزار

ليس موضوع الهجرة غير الشرعية، الذي عرف تطورات وتفاعلات كثيرة في الفترة الأخيرة، إلا واحدا من مشاكل واقعنا المغربي، الذي يشهد في ظل حكومتنا “الموقّرة”، غلياناً غير مسبوق على جميع الأصعدة وفي جميع المجالات الحيوية.

في خضمّ تفاعلات قوارب الهجرة السرية التي اجتاحت شواطئنا مؤخرا، لن أنبري للتشكيك في ما بُث من فيديوهات، ولا لطرح استفهامات حول “أسباب النزول” في توقيت محدد بدقة تدعو إلى الاستغراب، بل سأتحدّث عن أصل الداء، في محاوَلة لإيجاد طريق نحو وصف الدواء..

فكلنا نعرف، ليس اليوم فقط، بل منذ أزل، أن معظم شبابنا مستعدّون تماما لركوب قوارب الهجرة في أول فرصة تلوح في أفقهم المسدود، بفعل توالي سياسات غير ناجعة طيلة سنوات. كلنا نعرف هذا لكننا، مع الأسف، لم نفعل، على امتداد سنوات، شيئا ذا بال على أرض الواقع لمحاربة الظاهرة أو حتى للحد منها. كلنا نعرف أن شبابنا يائسون وفاقدون للأمل في بلد تعجز حكومته عن تنزيل برامج اقتصادية من شأنها بعثُ ولو بصيص ضئيل من الأمل في نفوس هذه الجيوش من العاطلين والمعطّلين ويُحْيي فيهم بذور تشبّثهم بوطنهم ويجعلهم يُصرّون على مُلاحَقة فرَصهم هنا، وليس في “بْلادات النّاسْ”.

نستطيع -كلنا- تصوير فيديوهات لقوارب الموت عاجّة بهؤلاء الشباب/ الضحايا المحتمَلين لقرش جائع في المتوسّط أو لملوحة مياهه وشمسه في أفضل الأحوال حين لا تسير مياه المتوسط بما لا يشتهي أحد هذه المراكب. ونستطيع التقاط صور للظاهرة وكتابة تعليقات مسمومة تقطر استفزازا إيديولوجيا وإعلاميا عنيفا قد يصل -كما ذهب إلى ذلك البعض- إلى حد الانخراط في “مؤامَرة” خارجية ضد البلد وضد ساسته (أو بعضهم) وضد سياساتهم المتخبّطة، في التعليم والصحة والتشغيل وغيرها من المجالات التي تهمّ المغاربة. لكنْ ماذا فعلنا، عمليا، لمحاربة الظاهرة أو التقليل من تفاعلاتها وامتداداتها السلبية؟

كم منّا اقترحوا حلولا وبدائلَ ممكنة للخروج من الأزمة؟ هل من حزب سياسيّ من هذه الدكاكين الانتخابية، التي نبتتْ على طول البلد وعرْضه، أدخلت معضلة الشباب المعطلين في صلب برامجها القابلة للتطبيق عمليا، بدل استعمالها كشعارات للاستهلاك الانتخابي، تنتهي صلاحيتها بمجرّد إحصاء الأصوات في إحدى المحطات الانتخابية، ثم نسيانه حتى إشعار، أو بالأحرى، انتخاب آخر؟.. ماذا تحقّق من شعارات وزراء حكومتنا “العاجزة” حين كانوا “فرسان” في لوك الكلام وضليعين بأساليب “البلاغة” الشعبوية و”تتياكْ الهْضرة” وبيع الأوهام بـ”إتقان” لا يسايرهم فيه منافس؟!

إن البطالة والفقر والهشاشة وندرة فرص الشغل لحاملي الشهادات أمر واقعٌ لا يتجادل حوله عاقلان، لكن مواجهة هذه المعضلات الاجتماعية هي المطلوب، وليس مواصلة الهروب إلى الأمام. ولأجل ذلك، على المسؤولين عن القطاعات الحيوية، مصدر هذه الآفات، أن يتحلوا بروح المسؤولية الوطنية التي تُلزمهم بها مناصبهم، التي يتقاضون عنها أجورهم وتعويضاتهم “السمينة” من أموال المغاربة. والمغاربة، وتحديدا آباء هؤلاء الشباب المستعدّين لـ”الحْريك” وهجرة وطنهم إلى غير رجعة في أول فرصة، يريدون أن يروا شيئا ملموسا في أرض الواقع؛ شيئا يُنسيهم مرارة هذه الخيبات والفضائح المتتالية، قبل أن تغرق… “السّفينة”.

وْالله يْجيب اللي يْفهمنا!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.