كريم شوكري

خلافا لمثيلاتها ضمن النسيج الجهوي للمملكة، انفردت جهة الرباط -سلا -القنيطرة بقرار إلغاء الدعم المالي المباشر للهيئات المدنية الممتدة عبر امتدادها الترابي، تحت مسوغ قانوني أورده التشريع الجهوي الجديد، الذي بات يحث مجالس الجهات على عدم صرف المنح السنوية إلا للجمعيات المتوفرة على صفة “المنفعة العامة”، فيما تم تقييد عموم مكونات الحقل الجمعوي التواقة إلى دعم الجماعات الترابية بمعايير رديفة لـ”شروط الخزيرات” من حيث تعقيداتها واستعصاءاتها.

وإذا كانت عبارة “شروط الخزيرات” تحيلنا على تلك التعاقدات التعجيزية التي جعلت المغرب الحلقةَ الأضعف ضمن خلاصات مؤتمر الجزيرة الخضراء مع مطلع القرن الماضي، فإن استعارتهاتستمد تسويغها من التشريع الجهوي الوطني، الذي وضع إسفينا فوق رقاب مؤسسات المجتمع المدني عبر تقييدها بشروط مستعصية مقابل تحصيل المنح “الهزيلة” المعتادة، لتصبح بذلك الأندية والجمعيات مجرد رقم باهت على مستوى خارطة الدعم المالي الجهوي، الذي انتصر لجمعيات “السهول والأنهار” على حساب الهيئات المستضعفة التي لم تعد تتحرك سوى بسواعد المتطوعين.

وبصرف النظر عن مقتضيات القانون الجهوي في مجال تأهيل بنيات المجتمع المدني، يتعين إماطة النقاب عن الإصرار الذي أبدته الجهة المذكورة في إطلاق مسلسل “الحجر” على الدعم المالي للأندية والجمعيات الآيلة للتصفية التنظيمية والمؤسسية على خلفية العجز المالي، بذريعة أجرأة القانون الجديد، علما بأن باقي جهات المملكة ما فتئت تقفز، على سبيل التدرج والمرونة، عن المطبات التشريعية المستجدة بالقياس على منطق إعمال روح القوانين، بدل الانصياع لبطش نصوصها، تيمّنا بما ذهب إليه الأديب الإنجليزي ويليام شيكسبير حينما قال “لا يطبق القانون بصرامة سوى الطغاة”..

وطبعا، لا ينبغي أن يفهم من كلامنا أننا ندعو إلى نوع من العصيان القانوني والانحياز إلى الصف الجمعوي المقهور خارج سند الشرعية والمشروعية، لأن ما نود الإشارة إليه لا يعدو أن يكون مجرد استحضار طفيف لمخرجات الحوار الوطني حول المجتمع المدني والأدوار الدستورية الجديدة التي سبق لوزارة الحبيب الشوباني في عهد حكومة عبد الإله بنكيران أن أطلقته بكلفة مالية باهظة، قبل أن تخلص إلى العديد من المقررات تقاطعت في مجملها حول حتمية تحريك سواكن التجربة الديمقراطية في المغرب عبر استبدال علامات التشوير القديمة بأخرى جديدة تجيز الانعطاف إلى مرفأ الديموقراطية التشاركية، مع ما يعنيه ذلك من جعل المجتمع المدني شريكا حقيقيا يتراوح دوره بين الصياغة والتتبع والمراقبة، ثم التنفيذ طيلة العمر الافتراضي للتمرين التشاركي.

فأين هو إذن موقع جهة الرباط -سلا -القنيطرة من كل ذلك اللفيف الحداثي الذي أورده الميثاق الوطني للديمقراطية التشاركية؟.. ألم يكن يجدر بمجلس “السكال” إعمال التدرج في إنزال قوانين الدعم، أسوة بباقي جهات المملكة، عبر إطلاق ما يشبه الحوار الجهوي في أفق شرح المساطر الجديدة للدعم وفق ما جاء به المشرع المغربي؟ وكذا ترجمة روح الديمقراطية التشاركية من خلال استشراف طبيعة الشراكات الممكن إنجازها رفقة الأندية ومنظمات المجتمع المدني، في إطار يوم دراسي يعكس البعد الديمقراطي الحقيقي للشراكة بين المجتمع المدني والجماعات الترابية؟..

ألا يعدّ الاصطفاف المؤسساتي الجماعي والمدني فوق أرضية الحوار والتشارك بمثابة بديل ديمقراطي حقيقي لخيارات المباغتة والبيروقراطية العقيمة في التعاطي مع القطاع السوسيو -ثالث، التي طالما حملتنا بخطى وئيدة صوب حلبة استعراض القوة والتنافر بين المكون الجماعي والمدني؟..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.