مات كريم العمراني، أشهر وزراء الملك الراحل الحسن الثاني، وأبرز رجال المال والنفوذ و الأعمال المغاربة،  تاركا وراءه تاريخا غامضا حول علاقة ثروته الهائلة، بثلاثية المال والسلطة والسياسية، وهو الرجل الذي قال بحقه  إدريس البصري وزير الداخلية القوي على عهد الحسن الثاني:”لقد تعلمتُ من صديقي كريم العمراني هذه النصيحة: (لي ما عندو فلوس كلامو مسوس).

ولتسليط الضوء، على شجرة من غابة، الحقائق المفقودة، في تاريخ صناعة ثروة هذا الرجل، يعيد موقع Le12.ma، نشر بورتريه/تحقيق في الموضوع من توقيع الزميل الصحفي، مصطفى حيران، يرصد من خلاله، كيف تقلد الراحل مهام سامية، دون شهادات تعليم عليا، وحكم إقتصاد وطن، لعقود من الزمن، حتى بات”فكاك لوحايل المالية”، لخزينة الدولة المغربية، بتقديمه قروضا، للحكومة في مناسبات عديدة، إلى جانب أسرار آخرى والبداية من هنا.

ينحدر كريم العمراني، من عائلة متوسطة من مدينة فاس، وُلد أواخر سنوات عشرينيات القرن الماضي، ولم يُوضع علي مقاعد الدراسة، على غرار أبناء البورجوازية التجارية الفاسية، بل انهمك في بعض الأعمال التجارية البسيطة، منذ فترة المُراهقة، مكتفيا بالأخذ ببعض المعلومات المُفيدة، من أصدقاء أبناء أحياء فاس الراقية، الذين كانوا ينسجون علاقات اجتماعية ومصلحية، مع أبناء المُعمرين، وفي ذلك الوسط المُختلط، اختار المراهق كريم العمراني طريقه، نحو الارتقاء الاجتماعي، وعندما رحلت الأسرة إلى مدينة الدار البيضاء، افتتح محلا لبيع أجهزة المذياع، بالمدينة القديمة، وكان أهم رأسماله، صداقاته لبعض المعمرين من رجال الأعمال الفرنسيين، الذين لم يكتفوا بجعله يتحدث لغتهم بطلاقة، ويكتسب طرائق سلوكهم وتفكيرهم، بل منحوه القنوات المُجدية، لانجاح مشاريعه، وفي الوقت الذي انخرط أغلب مُجايليه، في حزب الاستقلال، فضل كريم العمراني، أن يظل بعيدا عن السياسة الحزبية، مُفضلا نوعا آخر من السياسة، تمثل في إنجاح مشاريعه التجارية البسيطة، أي بيع اجهزة “الراديو” التي كانت أهم أداة إعلامية آنذاك. وسيعرف أولى صلاته بدار المخزن، حينما التقى في بيت أحد أصدقائه بأحمد العلوي، الذي كان يعمل ضابطا في الجيش الفرنسي، وفي نفس الوقت، لديه صداقة متينة مع الحسن الثاني، حينما كان وليا للعهد، التقط هذا الأخير الحس البراغماتي، والرغبة المُلحة، في إنجاح الأعمال، فقربه منه، وحينها وجد كريم العمراني طريقه، إلى بيوت الكثير من رجال الأعمال المغاربة والفرنسيين، وبفضل ذلك، حصل على مهام إدارة بعض أعمال هؤلاء وأولئك، في مجالات الاستراد والتصدير والصناعة، لقاء عمولات مُعينة، وهي فترة حاسمة في حياته العملية، حيث خبر كواليس الأرباح الطائلة، التي يجنيها وسطاء مجالات المبادلات التجارية، وظهرت عليه معالم حياة البورجوازية الصغرى، حيث انتقل للسكنى بأحد أحياء المعمرين الفرنسيين بالبيضاء، ليترك إلى الأبد الحياة الاجتماعية التي انطلق منها أول مرة من مدينة فاس.

غداة الاستقلال، استغرب الكثيرون، كيف استطاع “كريم العمراني” الذي لم يُمارس السياسة قط في حياته، أن يتسلم منصب مدير ديوان عبد الرحيم بوعبيد، في وزارة المالية والاقتصاد ضمن الحكومة التي شكلها محمد الخامس، لتبدأ قصة مناصبه الحكومية، العديدة، عبر الحكومات المُتعاقبة بعد الاستقلال، منها منصب الوزير الأول ثلاث مرات، غير أنه لم يترك جانبا، أعماله التجارية، حيث عزز رصيده في هذا المجال، من خلال دُخوله على خط سياسة “المغربة” للعديد من شركات المُعمرين الفرنسيين، فبالاضافة إلى شركاته التجارية، في مجالات صناعية، منح اسمه للعديد من أصحاب الشركات الفرنسية العاملة في المغرب، نزولا في الظاهر، عند مُقتضيات المغربة، وذلك مُقابل أسهم في شركات التصنيع والاستيراد والتصدير والتأمين… إلخ، ولم تكن قد حلت بداية سنوات السبعينيات، حتى كان “كريم العمراني” واحدا من أثرى الأثرياء في المغرب، حيث لم تكن هناك حدودا لمجالات تدخلاته الاقتصادية والمالية، في النسيج الاقتصادي للبلاد، لدرجة أن بعض كوادر الحزب الشيوعي المغربي، حولوا اسم “المغربة” إلى “العمرنة”. وبطبيعة الحال، كان كريم العمراني يعرف كيف يرد “الدَّين” لدائنيه، وعلى رأسهم الحسن الثاني، حيث لم يكن يتأخر في الاستجابة لطلبات ضخ أموال، للعديد من مهام تصريف شؤون الدولة، الكبيرة والصغيرة، وهناك مَن اعتبره وزير مالية الحسن الثاني الحقيقي. وحينما استلم منصب الوزارة الأولى، أوائل سبعينيات القرن الماضي، اعتمد سياسية اقتصادية مصيرية، سنة 1973، إبان أزمة النفط العالمية، حيث قرأ في معطى المُقاطعة النفطية العربية للدول الغربية، إشارة بارتفاع أسعار الفوسفاط في السوق العالمية، ومن تم أدخل البلاد، في عدد من المشاريع الضخمة، كانت تمويلاتها تأتي عن طريق الاستدانة الداخلية والخارجية، وما حصل أن سعر الفوسفاط لم يرتفع، لتبقى الديون الضخمة على ذمة خزينة الدولة، وحسب دارسي تلك الفترة، فإن خطوة “العمراني” تلك هي تكون قد رهنت الاقتصاد المغربي، لشبكة القروض الخارجية، والتي ما زال المغرب يُعاني من مضاعفاتها لحد الآن.

وعلى العكس من ذلك، فإن ثروة كريم العمراني اليوم، يصدق عليها قول “مصائب قوم عند قوم فوائد” حيث إنها تضاعفت مئات المرات، من خلال تدخلات ومُساهمات، في العديد من القطاعات التجارية والصناعية والخدماتية، غير أن الرجل ظل “وفيا” لمنطلق نجاحه الأول، فهو اقتصر على “البيع والشراء” وتجنب قطاعات المُضاربات المالية، ووجه الكثير من نشاطه التجاري إلى الخارج، حيث يتوفر في أكثر من موطىء قدم تجاري، في العديد من البلدان الأروبية، وتجنب بالمقابل إقامة مجموعة اقتصادية استثمارية، مُكتفيا بما تُدره عليه قطاعات التجارة والتصنيع التقليدية، حيث يحتكر بعض انتاجات المواد التقليدية في مجالات المواد الغدائية.

يقول عنه أحد مجايليه، اقترب منه لفترة من الوقت، جوابا على هذا السؤال: ما هو سر صعود “كريم العمراني” من أخمص الهرم الاجتماعي إلى ذُراه؟.. “يتصف العمراني بمميزات شخصية نادرة، منها بشاشته الدائمة، وحس النكتة لديه، وهو ما دلل امامه كل صعوبات الاتصال، بمختلف الأوساط الاجتماعية، كما أنه على مرونة كبيرة، تجعله، يحسب بدقة أوجه الرباح والخسارة، في كل المعاملات التي خاض فيها” مستطردا: “فمثلا حينما تسلم مهمة إدارة المكتب الشريف للفوسفاط، في فترة كان فيها النشاط النقابي على أشده، استطاع، بمرونته وحس التواصل العالي لديه، أن يجعل الأوضاع النقابية تهدأ بالرغم من أنه لم يأتِ بجديد للرفع من مستوى المؤسسة”… “وهو نفس حس المرونة – يقول آخرون ممن احتكوا به في أكثر من موقف – الذي جعله دائما، على وفاق مع أصحاب مختلف وجهات النظر السياسية والتدبيرية” كيف؟ “لقد ظل صديقا للاشتراكيين، بدليل تسلمه منصب مدير ديوان عبد الرحيم بوعبيد في وزارة المالية، كما صديق الليبيراليين والرأسماليين، ليس على الطريقة المغربية فحسب، بل في فرنسا أيضا” مضيفين: “غير أن حس البراغماتية لم يُفارقه أبدا، في مختلف مراحل حياته وتجربته التجارية والحكومية، فهو لم يصطدم أبدا مع كبار رجالات المخزن، بل منح كل الذين احتاجوا لخدماته، أكثر مما كانوا يأملون منه، ومنهم إدريس البصري مثلا” وعلى ذكر هذا الأخير فقد كان يردد، في بعض جلساته الخاصة: “لقد تعلمتُ من صديقي كريم العمراني هذه النصيحة: (لي ما عندو فلوس كلامو مسوس).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.