الاستعدادات التي تقوم بها الحركة الأمازيغية كانت تسبق الحدث، وهذا مؤشر على أن المبادرة، هي المنطلق، وهي المرجع، ومن بين الجمعيات المبادرة آنذاك، “مجموعة العمل الأمازيغي”. 

عزيز اجهبلي

“الأمازيغ قادمون ..!”، إنه عنوان تصدر الصفحة الأولى، لإحدى الصحف الأسبوعية المغربية، مباشرة بعد فاتح ماي لسنة 2003، واعتبر آنذاك من العناوين الجداية والأكثر إثارة للانتباه، كما أن مهنية هذه الصحيفة أدت بها إلى اختيار موفق، وذلك لأنها أرفقت العنوان بصورة بليغة التعبير، تظهر شبابا أمازيغيين شاركوا في مسيرة فاتح ماي لتلك السنة.

بطبيعة الحال من مميزات مسيرات في فاتح ماي، هي أنه من عادتها أن تنطلق من مقرات المركزيات النقابية بالرباط، أو من المنصات التي كانت تقيمها هذه المركزيات على مقربة من مقراتها، مع العلم أن كل الحركات المدنية الراغبة في المشاركة في هذه التظاهرة الأممية، كانت تنطلق مع المركزية النقابية التي واكبت معها الاستعداد لتخليد هذا اليوم.

 سأعود بذاكرة الفاعلين الأمازيغ إلى ما قبل عشرين سنة لأقول، إن مشاركة الحركة الأمازيغية في فاتح ماي بالرباط، كان لها طعم خاص، وكان يؤطرها تنسيق وإعداد قبلي بأسبوعين أو ثلاث، وهذا الإعداد هو ما أفضى إلى وجود لافتات كالتي تصدرت صورة الصحيفة المشار إليها ولائحة بشعارات قوية وهادفة تصدح بها حناجر المناضلين.

الاستعدادات التي تقوم بها الحركة الأمازيغية كانت تسبق الحدث، وهذا مؤشر على أن المبادرة، هي المنطلق، وهي المرجع، ومن بين الجمعيات المبادرة آنذاك، “مجموعة العمل الأمازيغي”. 

صحيح أن عددا من المناضلين الأمازيغ حاليا لا يعرفون هذا الإطار، لكن المجموعة كانت تضم فاعلين حقيقيين في الميدان. تجد من ضمنهم المهندس والإعلامي، والفنان والبارع في الكتابة بحروف تيفيناغ، ومنهم المناضلون من أجل الأمازيغية، الذين لم يبدلوا عنها تبديلا.

لا أريد أن أذكر الأسماء، فقط يجب معرفة أن عدد المنتمين للمجموعة كان لا يتعدى عشرة فاعلين، لكن مبادرتهم كانت بالقوة والمبدئية التي تجعلها تتخطى وتتجاوز الحدود، أتذكر أن مجموعة العمل الأمازيغي دعت إلى إضراب عن الطعام، آزرها فيها مناضلون من مشارب ومرجعيات مختلفة، تضامنا مع القبايلي بلعيد أبريكا ومع أمازيغ القبايل الجزائرية، وتنديدا بالهجوم الذي شنه النظام الجزائري على هؤلاء الأمازيغ، وبالمناسبة فقد فتحت “جريدة العالم الأمازيغي” أبوابها لاحتضان هذه المبادرة، التي كان لها صدى قويا ومميزا في الداخل وفي الخارج.

أعود إلى فاتح ماي، لأن الإرث الذي ارتبط بهذا اليوم، خاصة في العاصمة الرباط، القسم الكبير منه، كان من نصيب هذا المجموعة. طبعا لا أنفي المبادرات الأخرى والتي كان لها وزن معتبرا أيضا، ك”منظمة تامينوت الرباط”، و”الكونغريس العالمي الأمازيغي” و”جمعية البحث والتبادل الثقافي” أيضا و”الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة”، التي سأعود إليها في ركن أخر.

مجموعة العمل هذه، كانت تختار بدقة فائقة الشعارات المقرر كتابتها على اللافتات، وكان مناضلو المجموعة يستغرقون ما يزيد عن الأسبوع في انتقاء الكلمات واحدة تلوى الأخرى، والمعاني الدالة، والمصطلحات المستعملة، والألوان، ونوعية الأقمشة، على أن تكون من النوع الجيد، بالإضافة إلى وعيهم بالتصور او الكيفية التي ستكون عليها المسيرة، وأيضا الأعلام التي يجب رفعها في هذه المناسبة، على أساس أن الأولوية تعطى للعلم الوطني، إيمانا من المجموعة أن أي مبادرة كيفما كان نوعها، إن لم تكن في خدمة الوطن فلا خير يرجى منها، بالإضافة إلى أنها غير مدعاة للاهتمام.

كنت أتساءل كثيرا عن العناية التي كانت توليها المجموعة لحدث فاتح ماي، أدركت فيما بعد، أن كل لافتة تحمل شعارا، يمكن أن تنظم حوله ملتقيات وندوات، لكن هؤلاء الفاعلين كانوا يدركون بحسهم النضالي، أنه بدل من تنظيم عشرات الندوات والملتقيات، فإنه من الممكن رفع شعار واحد في فاتح ماي، على أنه قادر على أن يؤدي دور ووظيفة أكثر من ملتقى وندوة وقد يصل إلى الأهداف المرجوة بأبسط الطرق وأيسرها. ومن بين الشعارات المركزية التي تصدرت ملصقات ولافتات الحركة الأمازيغية آنذاك نجد مثلا الشعار: “من أجل دمقرطة المجتمع لا بديل عن دسترة الأمازيغية”، والمطالبة بإعادة كتابة التاريخ وفي نفس الوقت تصحيحه.

واقعية المطالب ومصداقية تلك الشعارات المرفوعة في فاتح ماي، هو ما يعتبر من بين الأسباب الكامنة وراء إمكانية تنزيلها والاستجابة لها، واعتبرت دسترة الأمازيغية من المطالب التي كانت غالبية مناضلي الحركة الأمازيغية تعتقد أن التفاعل الإيجابي  معها من طرف أصحاب القرار، يستدعي عقودا من الزمن، لكن السياقات السياسية والحقوقية والدستورية الوطنية والدولية فرضت التنصيص  على أن الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية في دستور 2011.

*صحفي في جريدة العلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *