في كرة القدم، يمكن أن تخسر أمام منتخب أقوى، ويمكن أن تودع بطولة بعد مباراة لم تسر كما تشتهي.

لكن هناك هزائم لا تقاس بنتيجتها، بل بالأثر الذي تتركه، وبالأسئلة التي تفتحها، وبذلك الشعور الجماعي بأن ما حدث لا يشبه ما سبقه. وهذا بالضبط ما خلفه سقوط المنتخب المغربي أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026، في مباراة تحولت، منذ صافرة النهاية، من مجرد محطة رياضية إلى قضية رأي عام.

لم تكن الصدمة في الإقصاء بحد ذاته، فالمغاربة الذين عاشوا نشوة مسيرة مونديالية قريبة شيئا ما في بدايتها من حلم قطر الجميل، يدركون أن كرة القدم لا تعترف بالمنطق دائما، وأن نهاية الحلم تبقى احتمالا واردا مهما بلغت قوة الفريق.

لكن ما أثار الاستغراب هو الطريقة التي انهار بها الأسود، بعدما ظهر المنتخب بوجه مغاير تماما لذلك الذي صنع به أفراح الملايين، وأسقط مدراس كروية كبرى، وأقنع المتابعين بأن هذا الجيل من الأسود قادر على الذهاب إلى أبعد نقطة في البطولة.

في 90 دقيقة، اختفى ذلك المنتخب الذي عرف كيف يدير مباريات العرس الكروي العالمي بثقة، ويحافظ على توازنه تحت الضغط، ويقاتل على كل كرة.

وحل مكانه بملعب “بوسطن” في ولاية ماساتشوستس فريق مرتبك، فاقد للإيقاع، عاجز عن فرض شخصيته أو استعادة توازنه، حتى بدا وكأنه يخوض مباراة مختلفة تماما عن تلك التي كان ينتظرها الجميع.

وبين المنتخب الذي دخل المونديال مرشحا لإعادة كتابة التاريخ وإضافة صفحات مشرقة أخرى إليه، وذلك الذي غادره بصمت ثقيل، بدت المسافة أكبر من أن تختزل في قراءة فنية أو نتيجة عابرة.

ولذلك، لم يتوقف النقاش عند حدود الأخطاء التكتيكية أو الاختيارات التقنية. فمنذ نهاية اللقاء، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة واسعة للنقاش، وامتلأت بآلاف التعليقات والتحليلات والأسئلة، بعضها حاول تفسير ما وقع من زاوية رياضية، وبعضها ذهب أبعد من ذلك، متسائلا عما إذا كانت هناك عوامل أخرى لم تظهر للرأي العام، قد تكون أسهمت في ذلك الانهيار المفاجئ. وبين هذا وذاك، بقي سؤال واحد يتردد بإلحاح: ماذا حدث في المستطيل الأخضر ببوسطن؟

ذلك السؤال لم يولد من فراغ، بل فرضه التناقض الصارخ بين ما قدمه “أسود الأطلس” طوال البطولة، وبين الصورة التي ظهروا بها في أهم مباراة.

فعندما يتغير أداء فريق بهذا الشكل، بين يوم وليلة، يصبح من الطبيعي أن يبحث الجمهور عن تفسير يتجاوز الانفعال اللحظي، وأن ينتظر رواية أكثر اكتمالا لما جرى، سواء داخل المستطيل الأخضر أو في محيطه.

فالتاريخ لا يحتفظ بالنتائج فقط، بل يتذكر أيضا المباريات التي ظلت عصية على الفهم.

وبالنسبة إلى كثير من المغاربة، تبدو مواجهة فرنسا واحدة من تلك المحطات التي ستظل حاضرة في الذاكرة، ليس لأنها أنهت الحلم المونديالي، وإنما لأنها تركت وراءها من علامات الاستفهام أكثر مما قدمت من الإجابات.

لذلك، فإن السؤال الذي يردده الشارع المغربي اليوم لا يتعلق بنتيجة مباراة فحسب، بل بما جرى خلالها، وكيف تحول منتخب أبهر العالم في أسابيع قليلة إلى فريق فقد هويته وشخصيته وكل شيء في أهم اختبار. فالهزيمة، مهما كانت قاسية، تبقى جزءا من اللعبة، أما ما حدث في بوسطن فلا يزال، بالنسبة إلى كثيرين، في حاجة إلى رواية تكتمل تفاصيلها. وحتى يحين ذلك، سيظل السؤال قائما: “رجاء، احكوا ماذا حدث في بوسطن”.
احتراما لمشاعر 40 مليون مغربي.

فهم لا يبحثون عن شماعة للهزيمة، بل يريدون تفسيرا لما رأوه بأعينهم.. ومن حقهم أن يعرفوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *