عشية تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان بمجلسيه، بعد انعقاد المجلس الوزاري برئاسة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، تدخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مرحلة جديدة، ينتقل فيها مركز الاهتمام من مفاوضات تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب الوزارية إلى اختبار أكثر صعوبة، ألا وهو القدرة على تحويل التوافقات السياسية إلى سياسات عمومية تستجيب لانتظارات المغاربة.

عادل الشاوي/ Le12.ma

بعد حسم الهندسة الحكومية وترتيب مكوناتها، لم يعد السؤال الأساسي يتعلق بطبيعة التحالف الذي أفرز الحكومة الجديدة، بقدر ما يرتبط بمدى قدرة هذا التحالف على إنتاج الانسجام في القرار والفعالية في التنفيذ.

ذلك أن اجتماع أحزاب مختلفة المرجعيات والمسارات داخل أغلبية واحدة لا يعني بالضرورة امتلاكها تصورا موحدا لأولويات المرحلة، ولا يضمن تلقائيا تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة عند تدبير الملفات الكبرى.

وفي قراءته لتحديات الحكومة الجديدة، يرى رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث، رشيد لزرق، أن اختزال التشكيلة الحكومية في تركيبتها الحزبية أو توزيع حقائبها الوزارية يحجب أبعادا أعمق تتصل بطبيعة التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وآليات إنتاج النخب السياسية وإعادة توزيع مواقع النفوذ داخل الحقل الحكومي.

ومن هذا المنظور، يبرز التحدي الأول في الانتقال من التوافق السياسي إلى الانسجام البرنامجي.

فالتوافق الذي يسمح بتشكيل الأغلبية يظل، في حد ذاته، يؤكد لزرق لـ “Le12″، مدخلا لتدبير السلطة، لكنه لا يشكل ضمانة لنجاحها.

والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تصبح الحكومة مطالبة بتحديد أولويات واضحة، وترتيب النفقات، وتدبير التباينات بين مكوناتها، وتحمل المسؤولية السياسية عن القرارات التي تتخذها.

وقال رئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث إن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة يحمل دلالة رمزية على مستوى التمثيلية السياسية، غير أن هذه الرمزية، وفق قراءته، لا تكفي وحدها للحكم على عمق التحول الذي تعرفه النخب ومؤسسات القرار.

فالتغيير لا يقاس فقط بهوية من يتولى المسؤولية، بل أيضا بمدى تجديد النخب، وتوسيع قاعدة المشاركة، وتطوير أساليب ممارسة السلطة وإنتاج القرار العمومي.

وهنا يبرز سؤال يتجاوز البعد التمثيلي إلى طبيعة الممارسة الحكومية، هل ستنجح القيادة الجديدة في إحداث تحول في أساليب التدبير، أم ستظل محكومة بالتوازنات التقليدية التي تفرضها مكونات الأغلبية ومواقع النفوذ داخلها؟

إن الأمر لا يتعلق بالتقليل من أهمية التمثيلية النسائية، بل بالتمييز بين التغيير الذي تحققه الرمزية السياسية والتغيير الذي تقيسه النتائج والمؤشرات.

فالمغاربة، في نهاية المطاف، لن يحكموا على الحكومة الجديدة من خلال طبيعة تركيبتها وحدها، وإنما من خلال أثر قراراتها على شروط العيش وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية، يوضح لزرق.

الشغل والصحة والتعليم.. الامتحان الأصعب

في صلب التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة، تبرز مسألة العلاقة بين المؤسسات والمجتمع.

فوفق قراءة رشيد لزرق، لم تعد المطالب المرتبطة بالشغل والصحة والتعليم والعدالة المجالية مجرد انتظارات قطاعية منفصلة، بل أصبحت محددات أساسية في بناء الثقة بالمؤسسات والحكم على فعالية الأداء الحكومي.

وتزداد صعوبة هذا الامتحان بالنظر إلى اتساع الفجوة بين الوعود السياسية وما ينتظره المواطن من تحسن ملموس في حياته اليومية.

فبالنسبة إلى الشباب الباحث عن فرصة عمل، لا تقاس فعالية البرنامج الحكومي بعدد الإجراءات المعلنة، بل بقدرته على خلق فرص حقيقية للإدماج الاقتصادي.

وبالنسبة إلى الأسر التي تواجه صعوبات في الولوج إلى العلاج أو تعليم جيد، تظل جودة الخدمات وتكلفتها وإمكانية الوصول إليها مؤشرات أكثر دلالة من الخطاب الرسمي.

أما العدالة المجالية، فتضع الحكومة أمام تحدي تجاوز الفوارق بين الجهات والمناطق، حتى لا تظل ثمار التنمية متفاوتة، ولا تتحول المشاريع الكبرى إلى مؤشرات للإنجاز لا ينعكس أثرها بالقدر نفسه على مختلف الفئات الاجتماعية.

ومن ثم، فإن التماسك العددي للأغلبية لا يكفي لضمان الانسجام الاجتماعي حول اختياراتها. فالأغلبية التي تتوفر على العدد اللازم لتمرير قراراتها تحتاج، في المقابل، إلى القدرة على إقناع المجتمع بجدوى هذه القرارات، وإظهار أثرها في الواقع، والاستجابة للمطالب المتزايدة من دون الاكتفاء بتدبيرها بمنطق التواصل السياسي.

ويضع تحليل لزرق الحكومة الجديدة أمام معادلة مركزية، وهي الانتقال من شرعية التمثيل السياسي إلى شرعية الإنجاز والفعالية الاجتماعية.

وهي معادلة لا تحسمها التصريحات الافتتاحية للبرنامج الحكومي، بل ستختبرها مراحل التنفيذ، ومدى الالتزام بالآجال، ووضوح المسؤوليات، والقدرة على تقييم النتائج وتصحيح الاختلالات.

وفي هذا السياق، سيشكل البرنامج الحكومي أول اختبار سياسي أمام البرلمان، لكنه لن يكون الاختبار الأخير. فالمهم ليس فقط ما ستعلنه الحكومة من أهداف، بل الكيفية التي ستترجم بها تلك الأهداف إلى تدابير قابلة للقياس، وما إذا كانت ستقدم للمواطنين مؤشرات واضحة تسمح بتقييم أدائها ومساءلة المسؤولين عنها.

وفي المحصلة، فإن حكومة المنصوري لا تواجه مجرد تحدي تدبير أغلبية متعددة المكونات، بل امتحانا أعمق يتعلق بقدرة المؤسسات على استعادة الثقة من خلال الأداء.

فالتوافقات الحزبية قد تفتح أبواب السلطة، لكنها لا تمنح صك نجاح مسبقا؛ والتمثيلية السياسية قد توفر الشرعية لتولي المسؤولية، لكنها لا تعوض نتائج السياسات العمومية.

وبين البرنامج المعلن والواقع الاجتماعي، ستتحدد صورة الحكومة الجديدة: إما أن تنجح في جعل الإنجاز معيارا للحكم على أدائها، أو أن تجد نفسها أمام اتساع المسافة بين انتظارات المجتمع وما تستطيع المؤسسات تقديمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *