لا تملك حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ترف إطالة مرحلة الانتقال من تشكيل الأغلبية إلى إطلاق عملها المؤسساتي.
فبعد الإعلان عن التشكيلة الحكومية الرباعية، تجد أحزاب التحالف نفسها أمام سباق مع الزمن، تحكمه استحقاقات دستورية وبرلمانية متلاحقة، في مقدمتها إعداد التصريح الحكومي وعرض البرنامج على البرلمان لنيل ثقته، قبل دخول مشروع قانون المالية لسنة 2027 مرحلة الحسم داخل المؤسسات الدستورية.
وفي هذا السياق، تنكب الأغلبية الحكومية الجديدة على صياغة التصريح الحكومي وفق التصورات التي جرى الاتفاق عليها خلال المفاوضات السابقة للإعلان عن التشكيلة الرباعية، التي تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية.
ولتسريع هذه العملية، أُسندت مهمة إعداد التصريح، وفق المعطيات المتوفرة، إلى لجنة تضم ممثلين انتدبهم الأمناء العامون للأحزاب الأربعة، في خطوة تروم توحيد الرؤى وتجاوز إكراهات الوقت، دون أن يتحول ضغط الاستحقاقات إلى عامل يربك صياغة أول وثيقة سياسية تؤطر عمل الحكومة الجديدة.
وتكتسي هذه المهمة أهمية تتجاوز مجرد إعداد وثيقة لعرضها أمام البرلمان، إذ يتعلق الأمر بتحويل التفاهمات السياسية التي قامت عليها الأغلبية إلى التزامات حكومية واضحة، قادرة على ترجمة أولويات التحالف إلى برنامج عمل.
كما أن تعدد مكونات الأغلبية يضع اللجنة أمام ضرورة التوفيق بين تصورات الأحزاب وانتظاراتها، وصياغة أرضية مشتركة تعكس الانسجام الذي تعهدت به الحكومة، من دون إفراغ البرنامج من مضامينه السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
لكن عامل الوقت يفرض نفسه بقوة على هذا المسار. فالحكومة مطالبة باستكمال الإجراءات المرتبطة باستقبال ملكي، ثم تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان ومناقشته والتصويت عليه، قبل الانتقال إلى المراحل المؤسساتية المرتبطة بمشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي يدخل أسبوعه الأخير قبل الأجل المحدد لإيداعه لدى مجلس النواب.
ويعني هذا التداخل بين الاستحقاقات أن هامش المناورة الزمنية أمام الأغلبية محدود، خصوصا أن إعداد المشروع المالي لا يقتصر على استكمال الصياغة الحكومية، بل يرتبط أيضا بمسار المصادقة داخل المؤسسات الدستورية، بدءا بالمجلس الوزاري، ثم المجلس الحكومي، قبل الإحالة على مجلس النواب.
وفي موازاة إعداد التصريح الحكومي، تواصل الأحزاب الأربعة البحث عن أسماء لتولي الحقائب الوزارية، وفق معايير محددة، بما يتيح تشكيل فريق حكومي منسجم وقادر على تنفيذ البرنامج المرتقب.
ويكشف تزامن المسارين، السياسي والتقني، عن حجم التحدي الذي تواجهه الأغلبية: استكمال هندسة الفريق الحكومي، وصياغة تعاقده السياسي، والاستعداد لتدبير أولى محطاته التشريعية، في وقت متقارب.
وكان مجلس النواب قد شكل، أمس الثلاثاء، محطة أولى لاختبار تماسك التحالف الجديد، من خلال انتخاب رئيسه للولاية التشريعية 2026-2031، تطبيقا للفصل 62 من الدستور والمادة 48 من النظام الداخلي للمجلس.
وأسفرت العملية عن انتخاب أحمد التويزي، مرشح الأغلبية، بـ220 صوتا، مقابل 59 صوتا لإدريس الأزمي، مرشح المنافسة، فيما بلغ عدد الأصوات الملغاة 90 صوتا، وسجل غياب 26 نائبا عن مجموع أعضاء المجلس البالغ عددهم 395.
وتمنح هذه النتيجة مرشح الأغلبية رئاسة الغرفة الأولى، لكنها لا تعفي مكونات التحالف من اختبار أكثر تعقيدا: الانتقال من تدبير الاستحقاقات الانتخابية والمؤسساتية إلى ضمان الانسجام في القرارات والالتزامات الحكومية.
فالتصويت على رئيس مجلس النواب يمثل محطة تنظيمية وسياسية، بينما سيشكل التصريح الحكومي أول اختبار فعلي لقدرة الأحزاب الأربعة على تقديم برنامج مشترك، يعكس اتفاقاتها ويحدد أولويات المرحلة المقبلة.
وفي المحصلة، لا يتعلق السباق الذي تخوضه حكومة المنصوري بمجرد احترام الآجال، بل بقدرتها على تدبير الانتقال السريع من تشكيل الأغلبية إلى مباشرة العمل الحكومي. فبين التصريح الحكومي وقانون المالية، ستجد الحكومة نفسها مطالبة بإثبات أن التوافق الذي جمع مكوناتها قادر على إنتاج برنامج واضح، وترجمة الوعود إلى أولويات قابلة للتنفيذ، في ظل أجندة برلمانية لا تتيح كثيرا من الوقت للمناورة.
