لم تكن مزحة عبد الإله بنكيران داخل اجتماع حزبي عابرة كما يبدو، فقد وجدت طريقها إلى ما وراء الحدود، واستدعت اعتذارا رسميا للشعب الجزائري، بل وأدخلت صاحبها في مواجهة مع تهديدات هاتفية بـ«كشف المستور».
إ. لكبيش / Le12.ma
في حلقة جديدة من مسلسل بنكيران مع الكلام الذي يخرج أحيانا من باب المزاح ليدخل من نافذة السياسة والدبلوماسية، وجد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق نفسه مضطرا إلى تقديم اعتذار رسمي للشعب الجزائري، بعدما تحولت دعابة أطلقها خلال لقاء حزبي إلى موضوع أثار استياء بعض الجزائريين.
بنكيران، الذي لا يحتاج عادة إلى كثير من الكلمات كي يشعل النقاش، خرج هذه المرة عبر القناة الرسمية لحزبه على منصة «يوتيوب»، موضحا أن ما صدر عنه لم يكن سوى مزاح مع البرلماني مصطفى الإبراهيمي، خلال اجتماع جمعه بأعضاء الفريق النيابي للحزب.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى طلب بنكيران من الإبراهيمي تلاوة آيات من القرآن الكريم، مع الإشارة إلى الأصول الجزائرية لوالدته، قبل أن يثني على أدائه. غير أن المزحة، التي ربما كانت موجهة للاستهلاك الداخلي بين رفاق الحزب، وجدت نفسها فجأة أمام جمهور أوسع لم يستقبلها بالضحك نفسه.
واعترف بنكيران بأن العبارة التي صدرت عنه لم تكن مناسبة، رغم تأكيده أنه لم يكن يقصد الإساءة، وكأن الرجل اكتشف مرة أخرى أن النكتة السياسية ليست دائما مضمونة النتائج، خصوصا عندما يتعلق الأمر بموضوع حساس مثل الأصول والانتماءات الوطنية.
لكن الحكاية لم تتوقف عند حدود الاعتذار، إذ كشف رئيس الحكومة الأسبق أنه تلقى اتصالات هاتفية أبلغته بوجود استياء لدى بعض الجزائريين، كما تحدث عن مكالمات تضمنت تهديدات، طالب أصحابها بتقديم اعتذار للشعب الجزائري، ولوحوا بنشر ما وصفوه بفضائح قد تضر بسمعته.
وهنا دخل بنكيران في جولة أخرى من التصريحات، مؤكدا أنه رفض الخضوع للتهديدات، وأنه لا يخشى نشر أي شيء إذا كان هناك ما يستحق النشر. وبذلك انتقل النقاش من مزحة عن الأصول الجزائرية إلى مواجهة كلامية بشأن الفضائح والتهديدات، في مشهد يكاد يحتاج إلى حلقة مستقلة من برنامج سياسي ساخر.
غير أن الاتصال الذي يبدو أنه ترك الأثر الأكبر في نفس بنكيران لم يكن، بحسب روايته، اتصال التهديد والوعيد، بل مكالمة ذكّرته بالمسؤولية الدينية والأخلاقية عن الكلمات التي يتفوه بها الإنسان.
وقال إن هذا التنبيه جعله يخشى أن يكون قد ارتكب خطأ يستوجب المؤاخذة أمام الله، داعيا الله أن يسامحه ويغفر له، ومجددا التأكيد على أن نيته لم تكن الإساءة إلى الجزائريين، وإنما المزاح مع زميله في الحزب.
ولتعزيز موقفه، استحضر بنكيران الروابط العائلية والإنسانية التي تجمعه بأسر جزائرية استقرت بالمغرب منذ ستينيات القرن الماضي، مؤكدا أن المغاربة والجزائريين شعب واحد تجمعه روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة والدين.
كما كشف أن زوجة ابنه تنحدر من أصول مغربية جزائرية، وأنه يعاملها باعتبارها واحدة من بناته، معتبرا أن أصولها الجزائرية مصدر اعتزاز وتقدير بالنسبة إليه.
وفي محاولة لإغلاق هذا الملف على إيقاع الأخوة والمحبة، جدد بنكيران دعوته إلى تجاوز الخلافات السياسية بين المغرب والجزائر وتسويتها بالطرق السلمية والأخوية، معتبرا أن ما يجمع الشعبين أكبر من الخلافات الظرفية.
كما خص الجزائريات باعتذار جديد، مؤكدا محبته وتقديره للشعب الجزائري، ومشددا على أن الروابط الإنسانية والعائلية لا ينبغي أن تتأثر بالتجاذبات السياسية.
وهكذا، انتهت مزحة داخل اجتماع حزبي باعتذار رسمي، واتصالات هاتفية، وحديث عن تهديدات وفضائح، ثم استحضار للعلاقات العائلية والدينية والتاريخية بين البلدين.
أما الدرس الذي يمكن أن يخرج به بنكيران من هذه الواقعة، فهو أن المزاح في السياسة يشبه السير فوق حبل مشدود؛ قد يضحك الحاضرون في البداية، لكن صاحب النكتة قد يجد نفسه لاحقا مطالبا بشرحها وشرح نيته، وربما تقديم اعتذار لمن لم يكن حاضرا أصلا عندما قيلت!
