من غلاء الحطب بالمناطق الجبلية إلى معاناة المقاولين الذاتيين، مروراً بتكاليف العلاج واختلالات الطرق وتسويق المنتجات الفلاحية.. اختار النائب البرلماني عبد العزيز باريك أن ينقل إلى قبة البرلمان جانباً من معاناة المواطنين بلغة مباشرة وضع من خلالها الحكومة أمام أسئلة محرجة بشأن العدالة المجالية والإنصاف الضريبي.

إ. لكبيش / Le12.ma

وجه النائب البرلماني عبد العزيز باريك، خلال المناقشة العامة لمشروع قانون المالية، مجموعة من الانتقادات والملاحظات بشأن الاختلالات التي ما تزال تؤثر على الحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً بالمناطق الجبلية والقروية، داعياً الحكومة إلى الانتقال من الشعارات إلى إجراءات ملموسة تستجيب لانتظارات الساكنة.

واستهل باريك مداخلته بالتأكيد على أنه لا ينكر الجوانب الإيجابية في المشروع، قائلاً: «اللي مزيان مزيان، والله يسخّر»، قبل أن ينتقل إلى إثارة مجموعة من الملفات التي اعتبر أنها تستحق التفاتة حكومية حقيقية.

وفي مقدمة هذه الملفات، توقف عند غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، مسلطاً الضوء على معاناة سكان المناطق الجبلية مع ارتفاع أسعار الحطب ومواد التدفئة.

وأوضح أن ثمن قنطار الحطب وصل إلى حوالي 4000 ريال، أي 200 درهم، رغم أن فصل الشتاء لم يبدأ بعد، متسائلاً عن الكلفة التي ستتحملها الأسر عندما تشتد موجة البرد، في ظل غياب مداخيل كافية وبدائل للتدفئة.

واعتبر أن الأمر يتعلق بأزمة حقيقية، داعياً إلى البحث عن آليات عملية لتخفيف العبء عن هذه الأسر، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بطريقة سلسة.

وانتقل النائب إلى ملف العدالة المجالية، مسجلاً وجود تناقض بين الشعارات المرفوعة والواقع الذي تعيشه بعض المناطق، خاصة على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية.

وفي تصريح لافت، تساءل باريك: «واش حنا زيرو تيران، زيرو أوطوروت، زيرو سكك، ونخلصو نفس الضرائب؟»، في إشارة إلى الفوارق في الاستفادة من الخدمات والتجهيزات العمومية، مقابل استمرار المواطنين في أداء الالتزامات الضريبية نفسها.

وضرب مثالاً بمعاناة أصحاب السيارات مع الطرق المتدهورة، قائلاً إن المواطن بمجرد ما يخرج بسيارته ويدخل إلى طريق «فيها حفرة بين حفرة»، يجد نفسه مضطراً للذهاب إلى الميكانيكي وإصلاح الأضرار التي لحقت بمركبته.

وشدد على أن العدالة المجالية لا ينبغي أن تبقى مجرد شعار، بل يجب أن تترجم إلى إجراءات عملية، من بينها التفكير في إنصاف المناطق التي تعاني من ضعف التجهيزات والبنيات التحتية على المستوى الجبائي.

كما خصص باريك جانباً من مداخلته لوضعية المقاولين الذاتيين، خاصة الشباب الذين استجابوا للدعوات الحكومية وانخرطوا في هذا النظام أملاً في إطلاق مشاريعهم وتحقيق الاستقلال الاقتصادي.

واعتبر أن عدداً من هؤلاء الشباب وجدوا أنفسهم أمام التزامات ضريبية وديون متراكمة، رغم أنهم لم يحققوا مداخيل تذكر، متسائلاً عن جدوى تشجيع الشباب على الانخراط في نظام المقاول الذاتي، ثم تركهم يواجهون الأعباء المالية بمفردهم.

وقال في هذا السياق إن هؤلاء الشباب «سمعوا الشعارات وبغاو ينخارطوا فالمشاريع الحكومية»، قبل أن يجدوا أنفسهم مطالبين بأداء مستحقات وديون، داعياً إلى إيجاد حلول لوضعيتهم ومراجعة طريقة التعامل مع هذه الفئة.

وفي الشق الصحي، أثار المتحدث مسألة التكاليف الإضافية التي يتحملها المواطنون رغم توفرهم على التغطية الصحية، مشيراً إلى أن الذهاب إلى المستشفى لا يعني بالضرورة الحصول على جميع الخدمات بشكل مجاني.

وتساءل عن جدوى التغطية الصحية عندما يجد المواطن نفسه مطالباً بأداء مصاريف التحاليل والفحوصات وبعض الخدمات الطبية، قائلاً إن المواطن يريد أن يعرف ما الذي يستفيد منه فعلياً، وما الذي ما يزال مطالباً بأدائه من جيبه الخاص.

كما انتقد ضعف استثمار الإمكانيات الرقمية في تحسين الخدمات الصحية والإدارية، معتبراً أن المواطن ما يزال يواجه إجراءات وأداءات كان من الممكن تبسيطها في ظل التطور الرقمي الذي تعرفه البلاد.

ولم يفت باريك التطرق إلى وضعية تسويق المنتجات الفلاحية المحلية، مستغرباً الفارق الكبير بين أسعار المنتجات في مناطق إنتاجها والأسعار التي تصل بها إلى المستهلك في المدن الكبرى.

وضرب مثالاً بالتفاح، الذي قال إن الكيلوغرام منه يباع في بعض مناطق الإنتاج بخمسة دراهم، بينما يصل ثمنه في الدار البيضاء إلى ما بين 15 و20 درهماً، متسائلاً عن مصير هذا الفارق السعري، وعن غياب مجهود كافٍ لتسويق المنتجات المحلية بشكل يضمن استفادة المنتج والمستهلك معاً.

وفي هذا السياق، دعا إلى الاهتمام أكثر بالمنتوجات المحلية وتثمينها، مستحضراً عبارة سبق أن استعملها أحد الوزراء، ومؤكداً أن المطلوب هو الانتقال من الحديث عن الإمكانيات المتوفرة إلى استثمارها فعلياً لفائدة سكان الأقاليم.

وفي معرض حديثه عن المشاريع الطرقية، أثار النائب البرلماني مسألة التأخر في إنجاز بعض الأوراش، مشيراً إلى أن طرقاً لا تتجاوز مسافتها بضعة كيلومترات تستغرق سنوات طويلة، رغم رصد اعتمادات مالية مهمة لها.

وانتقد ما اعتبره اختلالات في تنفيذ بعض المشاريع، متسائلاً عن جدوى تخصيص ميزانيات مهمة لإنجاز الطرق إذا كان المواطن لا يلمس نتائجها على أرض الواقع.

وأكد أن السكان لا يريدون مجرد الإعلان عن المشاريع أو تقديم الوعود، وإنما يريدون طرقاً منجزة فعلياً، تسهل تنقلاتهم وتخفف من معاناتهم اليومية، داعياً إلى تشديد المراقبة على المقاولات المكلفة بالأشغال، وضمان احترام آجال الإنجاز وجودة المشاريع.

وختم باريك مداخلته بالتأكيد على ضرورة ربط الشعارات الحكومية بالنتائج الملموسة، معتبراً أن المواطن لا يمكن أن يظل مطالباً بأداء الضرائب والالتزامات نفسها، بينما تستمر مناطق بأكملها في انتظار أبسط شروط التنمية، من طرق وتجهيزات وخدمات صحية وفرص اقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *