إذا تحقق النمو المتوقع، فهذه الحكومة ستكون عبقرية..وإذا عاد الجفاف أو ارتفعت أسعار الطاقة أو اضطرب الاقتصاد العالمي، فسيقولون معذرة ، لقد تدخلت الظروف الدولية، وهي جهة لا يمكن استدعاؤها إلى البرلمان للمساءلة.

البرنامج الحكومي الذي قدمته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمس أمام البرلمان ،اختار الجمع بين المدرستين..

أرقام كبيرة، ووعود أكبر، وتفاؤل اقتصادي يكاد يجعل الجفاف نفسه يشعر بالخجل من الاستمرار، بينما تبقى الأسئلة الصغيرة، مثل “من أين سيأتي التمويل؟” و “متى سنرى النتائج؟” ، جالسة في آخر القاعة دون أن يمنحها أحد حق الكلام.

*محمد واموسي

أولاً، البرنامج يعدنا بنمو اقتصادي يبلغ 5% سنوياً، وتضخم لا يتجاوز 2%، وعجز لا يزيد على 3%، ودين ينخفض إلى نحو 62% بحلول 2031..

وفي الوقت نفسه، يريد مضاعفة الدعم الاجتماعي، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم في القطاعات التي لازالت تحت هذا السقف ، وإصلاح الضريبة على الدخل، وضخ 12 مليار درهم سنوياً في الجهات.

بمعنى آخر، الحكومة تريد أن تزيد الإنفاق، وترفع المداخيل الاجتماعية، وتخفف الضرائب، وتقلص المديونية، وتحافظ على العجز تحت السيطرة.

لكن رئيسة الحكومة لم تخبرنا أبدا في برنامج حكومتها، كيف ستقنع الحسابات المالية بأن تتوقف عن كونها حسابات مالية، وتتحول إلى حسابات سحرية !

إذا تحقق النمو المتوقع، فهذه الحكومة ستكون عبقرية..وإذا عاد الجفاف أو ارتفعت أسعار الطاقة أو اضطرب الاقتصاد العالمي، فسيقولون معذرة ، لقد تدخلت الظروف الدولية، وهي جهة لا يمكن استدعاؤها إلى البرلمان للمساءلة.

المشكلة ليست في الطموح، بل في أن البرنامج يقدم لنا قائمة المشتريات كاملة، وينسى أن يخبرنا من سيدفع الفاتورة !

ثانيا، من الأخبار السارة التي جاء بها البرنامج الحكومي أن الدعم الاجتماعي المباشر للفئات الهشة ، سيقفز من 500 إلى 1000 درهم..خبر يستحق الاحتفال، خصوصاً للأسر التي تنتظر هذا الدعم لتدبير مصاريفها اليومية.

لكن لا تستعجلوا الفرح، الزيادة الكاملة مؤجلة إلى نهاية الولاية الحكومية..

أي أن الحكومة تقول للمواطن: “نحن نعرف أن الأسعار مرتفعة، ونعرف أن دخلك لا يكفي، ونعرف أنك تحتاج إلى الدعم، ولذلك قررنا أن نمنحك ما تحتاج إليه… لكن ليس الآن بل عندما نقترب من المغادرة “…

إنه منطق اجتماعي مبتكر..نعلن عن الزيادة اليوم، ونؤجل الاستفادة منها إلى يوم المغادرة ، ونترك المواطن طوال الطريق يتغذى على حسن النوايا..

والأجمل أن الحكومة ستستفيد سياسياً من الوعد خمس سنوات كاملة، بينما قد لا يحصل المواطن على هذه الزيادة إلا عندما تصبح الحكومة نفسها على أبواب تسليم المفاتيح..

كان من الممكن اعتماد زيادات تدريجية واضحة مع كل قانون مالية، حتى يرى المواطن أن الوعد يتحول إلى دراهم حقيقية، لا إلى فقرة أنيقة في وثيقة رسمية..

المواطن لا يستطيع أن يدفع فاتورة الكهرباء ببلاغ حكومي، ولا أن يشتري الزيت والسكر بتصريح صحفي، ولا أن يقنع صاحب المنزل بقبول «التدرج والاستدامة» بدل الإيجار..

ثالثاً، في الحملة الانتخابية لحزب رئيسة الحكومة ، كان الرقم واضحاً، تعهدوا بخلق مليون منصب شغل صافٍ، والبطالة في طريقها إلى الانخفاض نحو 7%..

أما في البرنامج الحكومي، فقد أصبح الحديث عن تكوين 100 ألف شاب سنوياً ومواكبة 60 ألف مقاولة..

وهنا لا بد من تهنئة البطالة على ذكائها الاستراتيجي، فقد نجحت في تغيير موضوع النقاش من سؤال «كم منصب شغل ستخلقون؟» إلى سؤال «كم شاباً ستكوّنون؟»..

لا أحد يعارض التكوين، ولا أحد ينكر أهمية دعم المقاولات..لكن الشاب المغربي الذي يبحث عن عمل لا يستطيع أن يدفع مصاريفه الشهرية بشهادة تكوين معلقة في إطار جميل..

نحن لا نريد فقط تكوين الشباب من أجل سوق الشغل، نريد أيضاً سوق شغل تستوعبهم بعد التكوين، بدل أن يتحولوا إلى خريجين محترفين في إعداد السير الذاتية وانتظار المكالمات الهاتفية التي لا تأتي.

أما وعد خلق مليون منصب شغل، فيبدو أنه انتقل من خانة الالتزامات إلى خانة الذكريات الانتخابية..وربما يحتاج هو الآخر إلى برنامج للتكوين وإعادة الإدماج، حتى يجد طريق العودة إلى الخطاب الحكومي !

رابعاً، حين تسأل الحكومة عن تمويل هذه الوعود، تسمع كلمات جميلة مثل الاستدامة، التدرج، النجاعة، تعبئة الموارد، تحسين الحكامة.

وهي كلمات محترمة جداً، خصوصاً عندما تكتب بخط واضح في البرنامج الحكومي ، لكنها، للأسف، لا تتحول تلقائياً إلى أموال في خزينة الدولة.

الاستدامة ليست مصدراً للتمويل، والتدرج ليس مورداً ضريبياً، والنجاعة ليست شيكاً جاهزاً للصرف.

نحتاج إلى معرفة الموارد التي ستعبأ بالأرقام و المصادر ، والنفقات التي ستعاد هيكلتها، ومقدار ما سيأتي من النمو، وما ستوفره محاربة الريع والتهرب الضريبي، وكيف ستوزع الحكومة هذه الموارد على التزاماتها المختلفة.

أما أن نعلن عن كل هذه الأهداف دفعة واحدة، ثم نترك قانون المالية يكتشف لاحقاً كيف سيتعامل معها، فذلك يشبه تنظيم حفل زفاف فخم، ودعوة مئات الضيوف، ثم البدء في البحث عن تكاليف القاعة بعد وصول المدعوين !.

خامساً، الحكومة تعهدت بمواصلة ورشات الحماية الاجتماعية والجهوية المتقدمة والاستعداد لمونديال 2030، مع تصحيح الاختلالات.

وهذا جيد..لكن المواطن الذي ينتظر طبيباً في المستشفى العمومي، أو يبحث عن مدرسة جيدة لأبنائه، أو شاباً يبحث عن وظيفة مستقرة، يريد أن يعرف ما الذي سيتغير هذه المرة بالضبط.

إذا استمرت البرامج نفسها، والآليات نفسها، والوعود نفسها، فهل سنحصل على نتائج مختلفة لمجرد أننا غيرنا أسماء بعض الفصول في البرنامج الحكومي؟

للأسف بعض الاختلالات في المغرب تتمتع باستقرار وظيفي أفضل من المواطنين أنفسهم..تتغير الحكومات، وتتجدد البرامج، وتنعقد الاجتماعات، بينما تظل الاختلالات في مناصبها، لا تخشى الإعفاء ولا تحتاج إلى مباراة للتوظيف !.

نحتاج إلى إصلاح التعليم والصحة، ومحاربة الاقتصاد غير المهيكل، وتقليص الفوارق المجالية، وخلق فرص شغل حقيقية. لكننا نحتاج قبل ذلك إلى معرفة الإصلاحات المحددة التي ستُعتمد، ومتى ستبدأ، وكيف سنعرف أنها نجحت.

سادساً، تحدثت رئيسة الحكومة عن أغلبية من أربعة أحزاب تتمتع بالانسجام، وهذا خبر مريح، لأن المواطن لا يريد حكومة تقضي نصف وقتها في حل خلافاتها، والنصف الآخر في شرح أسباب تأخر الإصلاحات.

لكن التجانس الحكومي ليس صورة جماعية أمام الكاميرات، ولا ابتسامات متبادلة في المؤتمرات الصحفية..إنه امتحان حقيقي عندما تصل الحكومة إلى القرارات الصعبة..

من سيتحمل العبء الضريبي؟ من سيتنازل عن امتيازاته؟ وكيف ستُوزع الموارد المحدودة؟ وما الإصلاحات التي ستُعطى الأولوية؟

عندها فقط سنعرف هل الأغلبية متجانسة فعلاً، أم أنها متفقة على البرنامج ما دامت الوعود مجانية، وتبدأ الاختلافات عندما يحين موعد الأداء.

من السهل جدا أن يتفق الجميع على محاربة اقتصاد الريع، لكن الامتحان يبدأ عندما يطلب من المستفيدين منه أن يتخلوا عنه.

من السهل أن يتفق الجميع على محاربة تضارب المصالح، لكن الصعوبة تكمن في وضع قواعد صارمة تطبق على الجميع دون استثناء.

أما تجريم الإثراء غير المشروع كما وعدت رئيسة الحكومة ، فهو التزام مهم، لكن قيمته لا تقاس بعدد المرات التي ورد فيها في الخطاب، بل بمدى وضوح القانون وفعالية الرقابة واستقلالية المحاسبة..و قبل كل شيء بوجود إرادة سياسية للتنفيذ.

و لأكون منصفا، ليس كل ما في البرنامج الحكومي الذي قدمته فاطمة الزهراء المنصوري سيئاً، وليس كل وعد فيه مستحيلاً..لأن تعزيز الدعم الاجتماعي، وتحسين المعاشات، وخلق فرص الشغل، ومحاربة الفساد، كلها أهداف تستحق التأييد.

لكن المشكلة أن البرنامج يريد من المواطن أن يثق في النتائج قبل أن يرى التمويل، وأن يصدق الأهداف قبل أن يعرف آجالها، وأن يصفق للوعود حتى عندما تختفي منها الأرقام التي كان يمكن أن يحاسب الحكومة على أساسها.

والسؤال الذي ينبغي أن يرافق الحكومة طوال ولايتها ليس :

– كم وعداً قدمت ؟ بل: كم وعداً نفذت؟

وعندما يناقش البرلمان مشروع قانون المالية لسنة 2027، سنرى هل ستتحول الأرقام الجميلة إلى اعتمادات مالية، وهل ستصبح الوعود الاجتماعية إجراءات ملموسة، أم سنكتشف أن البرنامج الحكومي كان كريماً جداً في توزيع الأهداف، وحذراً جداً في تحديد من سيدفع ثمنها.

في النهاية، لا يريد المواطن المغربي حكومة تتقن كتابة الأمنيات، بل حكومة تتقن تدبير الإمكانيات..ولا يحتاج إلى برنامج يعده بأن الغد سيكون أفضل، إذا كان المطلوب منه أن يدبر أمور اليوم بالصبر والتقشف وحسن الظن.

الحكومة لا تُحاسَب على جمال ما تعد به، بل على حقيقة ما تنجزه..أما الوعود التي لا نعرف كيف ستمول، ولا متى ستنفذ، ولا من سيحاسَب على تعثرها، فهي أشبه بشيكات سياسية مؤجلة…

شكلها مطمئن، لكن قيمتها الحقيقية لا تظهر إلا عند تقديمها للصرف..فتعود بدون رصيد !.

*كاتب صحفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *