في سياق النقاش المتواصل حول تحديث الإدارة القضائية وتعزيز حكامة الأداء، يبرز إصدار علمي جديد للأستاذ عبد الرزاق فتاح، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير، مقدماً مقاربة حديثة لتدبير عمل النيابة العامة، قوامها التخطيط الاستراتيجي ولوحات القيادة وتقييم النتائج.

Le12.ma

تعززت المكتبة القانونية والقضائية المغربية بإصدار علمي جديد للأستاذ عبد الرزاق فتاح، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بأكادير، تحت عنوان «معالم التدبير الإداري الحديث في عمل النيابة العامة: التدبير الاستراتيجي ولوحات القيادة»، وهو مؤلف يندرج في صلب النقاش المرتبط بتطوير الإدارة القضائية وترسيخ حكامة الأداء داخل جهاز النيابة العامة.

ويأتي هذا المؤلف، الذي صدّره الدكتور هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، ليسلط الضوء على أهمية التدبير الاستراتيجي باعتباره مدخلاً أساسياً لتحديث أساليب العمل الإداري بالمؤسسات القضائية، والانتقال بها من المقاربات التقليدية إلى نماذج حديثة تقوم على التخطيط المحكم وتحديد الأولويات وتتبع النتائج.

ويركز الكتاب على ضرورة اعتماد آليات فعالة لتقييم الأداء بشكل دوري، بما يتيح تحسين التنظيم الإداري، وترشيد استخدام الموارد المتاحة، وتعزيز قدرة المسؤولين القضائيين على تحديد الأهداف ومواكبة تنفيذها وفق مؤشرات واضحة وقابلة للقياس.

وفي هذا الإطار، يولي المؤلف أهمية خاصة لما يعرف بـ«لوحات القيادة»، باعتبارها أدوات علمية تساعد على قياس المؤشرات وتحليل المعطيات الميدانية ورصد مكامن الخلل بدقة. كما تتيح هذه الآليات توفير قاعدة معلومات موثوقة تساعد المسؤولين القضائيين على اتخاذ قرارات مبنية على معطيات موضوعية، بدل الاكتفاء بالتقديرات العامة.

ولا يقتصر دور هذه الأدوات على تتبع الأداء، بل يمتد إلى تطوير آليات التقييم والتنسيق الداخلي، بما يسهم في تحسين تدبير الملفات والإجراءات، وتعزيز الانسجام بين مختلف مكونات المرفق القضائي.

ويتوقف الإصدار كذلك عند أهمية التحول الرقمي في تحديث الإدارة القضائية، من خلال تسهيل تتبع الملفات والإجراءات وتحسين تدفق المعلومات، مع التأكيد على أن نجاح هذا التحول يظل رهيناً بتأهيل الموارد البشرية وتطوير كفاءاتها، إلى جانب الالتزام بقواعد السرية المهنية وضمان حماية المعطيات الشخصية للمتقاضين.

وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المهام التي تضطلع بها النيابة العامة، وما تتطلبه من تنظيم محكم وتنسيق مستمر وسرعة في تدبير الإجراءات، مع الحرص على احترام سيادة القانون وصون الحقوق والحريات.

ويبرز المؤلف، في هذا السياق، أن نجاعة العمل القضائي لا ترتبط بالنصوص القانونية وحدها، بل تتأثر أيضاً بجودة التدبير الإداري وفعالية آليات التتبع والتقييم، فضلاً عن القدرة على توظيف المعطيات المتاحة في تحسين الأداء وتطوير أساليب العمل.

كما يفتح الكتاب المجال أمام نقاش أوسع بشأن سبل إرساء إدارة قضائية حديثة، تستند إلى التخطيط الاستراتيجي والمؤشرات الموضوعية، وتربط بين تحديد الأهداف وقياس النتائج وتصحيح الاختلالات، بما يضمن تحسين المردودية الإدارية والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للمتقاضين.

ويشكل هذا العمل إضافة إلى الإنتاج الفكري والقانوني بالمغرب، بالنظر إلى تناوله إشكالية التدبير الإداري داخل النيابة العامة من زاوية تجمع بين التأطير العلمي ومتطلبات الممارسة العملية، في أفق تعزيز حكامة الأداء وتطوير آليات التسيير والتقييم داخل المؤسسات القضائية.

وبذلك، يساهم إصدار الأستاذ عبد الرزاق فتاح في إغناء النقاش حول مستقبل الإدارة القضائية بالمغرب، وما يقتضيه تحديثها من اعتماد أدوات تدبير حديثة، قادرة على تحقيق التوازن بين نجاعة الأداء الإداري واحترام الضمانات القانونية، بما يخدم جودة العدالة وثقة المتقاضين في المرفق القضائي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *