مع وعود لقجع، تحت سقف حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فالأرقام تُعلَن بسخاء، والكلفة تُجمع في المجمل، أما حين يتعلق الأمر بالحساب، فالمغاربة وحدهم من يُطلب منهم أداء الفاتورة… دون أن يُمنحوا حق الاطلاع على تفاصيلها.
*حنان فطراس
حين عرض فوزي لقجع الإجراءات الاجتماعية التي تعتزم الحكومة اتخاذها، قُدّمت أرقام كبيرة ووعود برفع المعاشات وتحسين الدعم الاجتماعي وإعفاء فئات من الأجراء من الضريبة على الدخل.
لكن وراء هذه الأرقام، تظل أسئلة أساسية تحتاج إلى أجوبة واضحة: كم ستكلف كل خطوة على حدة؟.
وما عدد المستفيدين الفعليين؟.
وهل نتحدث عن كلفة سنوية أم عن اعتمادات تمتد على سنوات؟.
من بين الإجراءات المعلنة، رفع الحد الأدنى للمعاش من مستويات تبدأ من حوالي 1000 درهم إلى 1700 درهم شهرياً ابتداءً من يناير 2027، مع التطلع إلى بلوغ 3000 درهم في نهاية الولاية الحكومية، بحسب الإمكانات المالية المتاحة.
كما أُعلن عن رفع نسبة معاش الأرملة من 50% إلى 100% ابتداءً من يناير 2027، لفائدة حوالي 431 ألف أرملة. وقد قُدّرت الكلفة الإجمالية للإجرائين بنحو 10 مليارات درهم.
لكن جمع كلفة إجراءين في رقم إجمالي لا يعفي الحكومة من توضيح نصيب كل إجراء من هذه الكلفة، وعدد المستفيدين من كل فئة، وكيفية احتساب الاعتمادات المرصودة لهما.
كما أن التقديرات التي تداولتها بعض المنابر الإعلامية ليست متطابقة، وهو ما يجعل نشر المعطيات الرسمية المفصلة ضرورة لضمان الشفافية، لا مجرد تفصيل تقني.
ثم إن الاستفادة من معاش الأرملة ترتبط بمعاش الزوج المتوفى وبنظام التقاعد المعني، ما يجعل توضيح شروط الاستفادة وكيفية احتساب المبالغ أمراً ضرورياً.
وهل هناك تقاطع بين المستفيدات من رفع معاش الأرامل والمستفيدين من رفع الحد الأدنى للمعاش؟.
وإذا كان هناك تقاطع، فكيف احتُسبت الكلفة الإجمالية؟.
هذه أسئلة لا تحسمها الأرقام المعلنة وحدها.
في المقابل، يخضع الدعم الاجتماعي المباشر لشروط أهلية مختلفة، من بينها مؤشر اجتماعي واقتصادي لا يتجاوز 9.743001.
ويبلغ الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر حالياً 500 درهم شهرياً، فيما أعلنت الحكومة رفعه إلى 600 درهم ابتداءً من يناير 2027، في أفق الوصول إلى 1000 درهم شهرياً سنة 2031.
وهذه مبالغ معلنة ضمن الالتزامات المستقبلية، وليست كلها زيادات دخلت حيز التنفيذ.
500 درهم لم تكن منحة سخية؛ كانت مساعدة محدودة لأسرة يُفترض أنها في وضع هش.
لذلك، فإن تقييم هذه الإجراءات لا ينبغي أن يتوقف عند الإعلان عن الزيادة، بل يجب أن يشمل أثرها الفعلي على القدرة الشرائية للأسر، ومدى استجابتها لحاجياتها، وعدد الأسر التي ستستفيد منها فعلاً.
ومن جهة أخرى، كشف لقجع، خلال عرضه أمام البرلمان، أن نظام الاستهداف السابق كان يمكن أن يقصي أسرًا بسبب مؤشرات مرتبطة بنفقاتها، حتى عندما يتعلق الأمر بمصاريف استثنائية كاقتناء هاتف.
وهذا في حد ذاته يطرح إشكالاً بشأن دقة المعايير التي اعتُمدت في تحديد الأسر المستحقة للدعم.
فكم أسرة أُقصيت بسبب هذه المعايير؟.
وهل ستُراجع الملفات التي رُفضت سابقاً؟.
وكيف ستُقاس مداخيل الأسر التي تشتغل في القطاع غير المهيكل، حيث لا تعكس التصريحات الرسمية دائماً حقيقة الوضع الاقتصادي؟.
أما الإعفاء من الضريبة على الدخل بالنسبة إلى الأجور الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم شهرياً، فقد أُعلن عنه ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، بكلفة تقديرية تبلغ 5.5 مليارات درهم خلال السنة نفسها. وهو إجراء مقترح في إطار المشروع، وليس مقتضى دخل حيز التنفيذ بعد.
ومن حق المواطنين أن يعرفوا كيف احتُسبت هذه الكلفة، وما الفئات التي ستستفيد فعلياً، وما الأثر المنتظر على دخل الأجراء.
إن الإعلان عن إجراءات اجتماعية مهمة لا يعفي الحكومة من واجب تقديم تفاصيلها، ولا يكفي أن تُجمع الكلفة في أرقام إجمالية من دون توضيح طريقة احتسابها، وتوزيعها، وعدد المستفيدين منها.
فالأموال المعنية هي أموال عمومية، والشفافية في تدبيرها حق للمواطن، وليست امتيازاً تمنحه الحكومة متى شاءت.
وفي السياسة المالية، يبدو أن الحكومة تُحسن توزيع الوعود أكثر مما تُفصّل الاعتمادات.
فالأرقام تُعلَن بسخاء، والكلفة تُجمع في المجمل، أما حين يتعلق الأمر بالحساب، فالمغاربة وحدهم من يُطلب منهم أداء الفاتورة… دون أن يُمنحوا حق الاطلاع على تفاصيلها.
*برلمانية إتحادية سابقة وكاتبة سياسية
