قالت صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، إن أزمة الهجرة غير النظامية التي عرفتها مدينة سبتة المحتلة أخيرا، كشفت حجم النفوذ الذي يتمتع به المغرب في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة لإسبانيا والاتحاد الأوروبي، وهو ملف الهجرة.
وأضافت الصحيفة في تقرير مطول،أن الرباط تمتلك أوراقاً استراتيجية تمنحها قدرة على التأثير في ملفات حيوية بالنسبة لمدريد.
وأوضحت أن المغرب أصبح يمتلك نفوذاً جيوسياسياً وقوة تأثير كبيرة تجاه إسبانيا، لا سيما من خلال إدارته لملفات الهجرة والأمن الإقليمي.
ووصفت العلاقة القائمة بين الملك محمد السادس ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بأنها “معقدة” ، إذ تجمع البلدين مصالح اقتصادية وتجارية واسعة، في مقابل استمرار تباين مواقفهما بشأن عدد من القضايا الجيوسياسية.
وأشار التقرير إلى أن الهجرة أصبحت إحدى أهم أدوات النفوذ في العلاقات الثنائية، بالنظر إلى الموقع الجغرافي للمغرب ووجود مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين على الساحل الشمالي للمملكة، وهو ما يمنح الرباط دوراً محورياً في ضبط تدفقات المهاجرين نحو أوروبا.
واعتبرت الصحيفة أن تدفق نحو 60 ألف مهاجر إلى سبتة خلال فترة وجيزة شكل سابقة، إذ يعادل هذا العدد ثلاثة مهاجرين مقابل كل أربعة من سكان المدينة.
و كتبت أن هذه الأزمة جاءت تتويجاً لخمس سنوات من العلاقات التي أصبح فيها المغرب أكثر ثقة في فرض أولوياته على الساحة الإقليمية.
ونقلت الصحيفة عن خبراء، قولهم إن موضوع الهجرة ورقة قوية يمتلكها المغرب، مشيرين في هذا الصدد إلى أنه سلاح استخذمته تركيا في ملف اللاجئين السوريين على الحدود اليونانية، وكذا بيلاروسيا التي استخدمت المهاجرين العراقيين على حدود بولندا.
ورغم الأزمة، أوضح التقرير أن حكومة بيدرو سانشيز تجنبت الدخول في مواجهة مباشرة مع الرباط، إدراكاً منها لأهمية التعاون المغربي في الحد من الهجرة نحو جزر الكناري، التي تمثل المنفذ الرئيسي للهجرة غير النظامية إلى إسبانيا.
وتوقفت الصحيفة عند الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت سنة 2021 بعد استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي لتلقي العلاج، وهو ما أثار غضب المغرب الذي اتهم مدريد بالتواطؤ مع خصومه.
وبعد أسابيع قليلة من تلك الواقعة، شهدت سبتة أول موجة كبيرة للهجرة، حيث تمكن أكثر من ثمانية آلاف شخص من الوصول إلى المدينة بعد تخفيف الرقابة على الحدود.
وأضاف التقرير أن الرباط حققت مكسباً دبلوماسياً مهماً سنة 2022 بعدما أعلنت الحكومة الإسبانية دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية نزاع الصحراء، وهو تحول وصفته الصحيفة بأنه انسجم مع مواقف عدد من الدول الأوروبية.
ورغم هذا التقارب، أكدت الصحيفة أن ثلاث قضايا رئيسية ما تزال تشكل مصدر خلاف بين البلدين. أولها حرص إسبانيا على الحفاظ على علاقات جيدة مع الجزائر باعتبارها مورداً مهماً للغاز الطبيعي، وهو ما برز من خلال زيارة سانشيز للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قبل أيام من أزمة سبتة وإعلانه عن مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين.
وتتعلق المسألة الثانية باستمرار الخلاف حول مدينتي سبتة ومليلية، اللتين لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية عليهما ويعتبرهما جزءاً من أراضيه، في حين تضعهما مدريد ضمن أولوياتها الدفاعية.
أما نقطة الخلاف الثالثة فتتعلق باختلاف مواقف الرباط ومدريد تجاه الإدارة الأمريكية.
ففي الوقت الذي دخل فيه سانشيز في خلافات متكررة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب قضايا الدفاع والهجرة والسياسات الدولية، نجح جلالة الملك محمد السادس في بناء علاقة قوية مع ترامب، خاصة بعد استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020 في إطار اتفاقيات أبراهام، وهو ما قاد إلى اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء.
ونقلت الصحيفة عن الباحث مايكل والش، من جامعة ألاسكا، قوله إن العلاقات الجيدة بين المغرب وترامب، إلى جانب التوتر بين الأخير وسانشيز، قد تمنح الرباط فرصة لتعزيز موقفها بشأن سبتة ومليلية خلال المرحلة الحالية، باعتبارها فرصة سياسية قد لا تتكرر كثيراً.
