حين قرر فوزي لقجع أن يحمل كرة القدم معه إلى منصة الحملة الانتخابية في استحقاقات 23 شتنبر، ربما كان يراهن على أن تدخل معه إلى الميدان السياسي وهي مرتدية قميص الإنجازات، وعلى رأسها ملحمة المنتخب الوطني في مونديال قطر.

غير أن كرة القدم، كما يبدو، لم تصل إلى المنصة وحدها.

وصلت معها أيضا دفاتر قديمة، وأسئلة ظلت معلقة حول المال والتدبير والمراقبة، وبعضها يعود إلى محطات لم تكن فيها نتائج كرة القدم الوطنية دائما في مستوى الانتظارات.

وهنا بالضبط تبدأ متاعب الخطاب الرياضي حين يتحول إلى رصيد سياسي.

فعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة والوزير منتدب مكلف بالميزانية، لم يعد يتحدث من مدرجات الملعب أو في جمع عام رياضي فقط.

لقد اختار أن يجعل من حصيلة كرة القدم جزءا من خطابه الانتخابي، وبالتالي فتح الباب، شاء أم لم يشأ، أمام سؤال بسيط في ساحة النقاش العمومي، وهو “إذا كانت الإنجازات الرياضية تصلح لتقديم الحصيلة السياسية، فلماذا لا تصلح الأسئلة المرتبطة بكلفة هذه الإنجازات وتدبير مواردها لفتح النقاش نفسه؟”.

المفارقة أن لقجع سبق أن اكتشف، في قضية أخرى، أن الأرقام حين تخرج من أفواه المسؤولين لا تبقى دائما تحت السيطرة.

في أزيلال، وضع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية رقم 280 مليار درهم في قلب الخطاب الانتخابي، باعتباره ما أنفقته الحكومة خلال خمس سنوات لدعم القدرة الشرائية، قبل أن يجد نفسه أمام أسئلة “ترانسبرانسي المغرب” حول كيفية صرف هذا المبلغ وتوزيعه وآليات تقييم أثره.

الرقم خرج من المنصة باعتباره حجة سياسية، لكنه عاد إليها في صورة أسئلة حول المال العام.

والقصة نفسها، وإن من باب آخر، يمكن أن تنطبق على كرة القدم.

فبمجرد أن تتحول الكرة وإنجازاتها إلى مادة انتخابية، يصبح من المشروع أن تسأل الذاكرة السياسية عن الجانب الآخر من الحكاية، وهو كم أنفقت الجامعة؟ من أين جاءت مواردها؟ ما طبيعة الأموال العمومية التي استفادت منها؟ ومن يملك حق مراقبة طريقة صرفها؟
وهذه ليست أسئلة وليدة الحملة الانتخابية الحالية.

ففي سنة 2018، أفادت تقارير صحافية بأن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لم تسلم تقريرها المالي إلى المجلس الأعلى للحسابات، رغم استفادتها من أموال عمومية، وهو ما ربطته تلك التقارير بالمادة 87 من مدونة المحاكم المالية، التي تلزم الجمعيات المستفيدة من المال العام بتقديم الوثائق المحاسبية اللازمة للتدقيق.

واللافت أن القضية لم تكن مرتبطة بجامعة تعاني الإفلاس أو تعيش على حافة العجز.

بل على العكس، فالأرقام التي كانت الجامعة نفسها تعرضها في جموعها العامة كانت تكشف عن موارد ونفقات ضخمة. ففي موسم 2018-2019، أعلنت الجامعة عائدات بأكثر من 826 مليون درهم ونفقات بالمبلغ نفسه تقريبا، بعدما كانت قد كشفت في تقرير سابق عن موارد مهمة من الإشهار وحقوق النقل التلفزي وغيرها.

وفي 2018، قال لقجع نفسه إن ميزانية الجامعة السنوية تناهز 44 مليون درهم في بعض بنود التسيير، مع تأكيده أن الجزء الأكبر من الإنفاق يذهب إلى المنتخبات والأندية الوطنية، كما أكد أن الجامعة تخضع لافتحاص سنوي وتقدم تقريرها المالي خلال الجموع العامة.

وهنا تصبح الحكاية أكثر إثارة للاهتمام.

لأن السؤال لم يعد: هل للجامعة تقرير مالي؟
بل: من يملك حق الاطلاع عليه؟ ومن يملك حق تدقيقه عندما يتعلق الأمر بموارد عمومية؟.

فالجامعة يمكن أن تعرض تقريرها على جمعها العام، ويمكن للمنخرطين أن يصادقوا عليه، ويمكن لرئيسها أن يقدم الأرقام باعتبارها شفافة ومنظمة. لكن عندما يتعلق الأمر بأموال عمومية، فإن السؤال يصبح أكبر من مجرد مصادقة داخلية.

وهذا بالضبط ما جعل قضية إخضاع الجامعات الرياضية للتدقيق من طرف المجلس الأعلى للحسابات تكتسي حساسية خاصة في تلك المرحلة.

ففي 2015، أطلقت عملية لتدقيق مالية عدد من الجامعات الرياضية، ضمن توجه لتقوية الشفافية وتحسين تدبيرها، في وقت كانت فيه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم واحدة من أكثر المؤسسات الرياضية حضورا من حيث الموارد والإنفاق.

ثم جاءت النتائج الرياضية لتضيف طبقة أخرى إلى النقاش.

ففي الوقت الذي كانت فيه الجامعة تحشد موارد مالية مهمة لكرة القدم الوطنية، ظلت مشاركات المنتخبات والأندية المغربية في عدد من المنافسات القارية محكومة بنتائج لم تكن دائما في مستوى التطلعات، وهو ما أعاد في أكثر من مناسبة سؤال الجدوى والكلفة إلى الواجهة.

وفي 2019، مثلا، طالب برلمانيون بافتحاص ميزانية الجامعة بعد النتائج التي حققها المنتخب المغربي في كأس إفريقيا للأمم بمصر.

أي أن سؤال المال لم يكن منفصلا، منذ البداية، عن سؤال النتائج.

وهنا تحديدا تصبح كرة القدم التي حملها لقجع إلى المنصة السياسية أكثر تعقيدا مما تبدو عليه.

فحين تكون الرياضة مجرد رياضة، يمكن أن يكون الانتصار انتصارا والهزيمة هزيمة.

أما حين تصبح الرياضة جزءا من الخطاب السياسي، فإن الانتصار يتحول إلى حصيلة، والحصيلة تستدعي الكلفة، والكلفة تستدعي التدبير، والتدبير يستدعي المراقبة.

صحيح أن مونديال قطر شكل لحظة استثنائية في تاريخ المنتخب المغربي، وأن الوصول إلى نصف النهائي منح كرة القدم الوطنية إنجازا غير مسبوق عربيا وإفريقيا.

لكن تحويل ذلك الإنجاز إلى أحد عناوين الحصيلة الكروية لا يلغي المحطات الأخرى، ولا يجعل سؤال التدبير والمال العام أقل مشروعية.

بل ربما العكس.

كلما ارتفع صوت الإنجاز في المنصة، ارتفع معه صوت السؤال عن ثمن الإنجاز، وكيف دبرت موارده، ومن راقبها، وما الذي تحقق مقابلها.

وهذه هي المفارقة التي قد لا تكون في حسبان لقجع وهو يتحدث عن كرة القدم في الحملة الانتخابية.

لقد دخل إلى السياسة حاملا واحدة من أكثر القصص التي يملك فيها المغرب ما يصفه بالنجاح، قصة المنتخب.

لكن المشكلة أن النجاحات الرياضية لا تأتي وحدها إلى السياسة، تأتي معها أيضا الخيبات القديمة، والتقارير القديمة، والأرقام القديمة، والأسئلة التي لم تمت لمجرد أن المنتخب وصل إلى نصف نهائي مونديال.

وإذا كانت خرجة لقجع حول ملف الـ280 مليار درهم قد وضعت الرقم في مواجهة أسئلة حول المال العام، فإن توظيف كرة القدم في الخطاب السياسي يفتح بدوره الباب أمام الأسئلة نفسها، ولكن هذه المرة من بوابة الجامعة وتدبير مواردها.

فالمنصة الانتخابية، في النهاية، لا تكتفي بعد الكؤوس والأهداف.

وفي السياسة، كما في الكرة، لا يكفي أن نعرف شكون ربح الماتش، بل أحياناً خاصنا نعرفوا حتى شحال كلفتنا المشاركة في هداك الماتش.. ومنين تخلصات الفاتورة؟.. وشكون كان كيراقب الحساب ديال هاد الكرة المنفوخة بالريح؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *