يواصل الفقيه الدستوري امحمد مالكي، التفاعل مع قرار المحكمة الدستورية الأخير بشأن مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة، من خلال سلسلة مقالات علمية وأكاديمية. مقالات تسلط الضوء على مناطق الظل في زوايا إستصدار المحكمة الدستورية القرار رقم 277/26 في الملف عدد 317/36، الخاص بفحص قانون مهنة المحاماة،المقال الرابع الذي تنشره اليوم الجمعة جريدة le12.ma ، جاء تحت عنوان:«تقنية «يتعذر البت في الإحالة على الحال».

الفقيه الدستوري امحمد مالكي يكتب.. عودة على بدء (3).. قرار «الدستورية» وصلاحية الملك

 

جريدة le12.ma

تساءل الكثيرون ممن اهتموا بمسار مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة عن هذا التعبير الوارد في منطوق قرار المحكمة الدستورية، ومنهم من تساءل عما إذا سبق للقضاء الدستوري المغربي اعتماد هذه التقنية في قرارات سابقة.

نعم.

1- سبق للقضاء الدستوري إعمال هذه التقنية لأول مرة منذ 55 سنة، أي منذ عام 1971، على عهد الغرفة الدستورية التابعة للمجلس الأعلى (1962-1992)، في المقرر رقم 58، الصادر في فاتح أبريل 1971، بخصوص فحص دستورية النظام الداخلي لمجلس النواب، حيث لاحظت وجود غموض في إحدى فقرات مواد النظام الداخلي، مما تعذر عليها معه فحص دستورية النص المعروض عليها، مستعملة عبارة: «يتعذر التصريح بمطابقته للدستور».

2- القرار رقم 18/298، بتاريخ 14 نونبر 2013، ولعله الأقرب إلى حالة النص الذي نناقشه، حيث امتنع المجلس الدستوري (1994-2014) عن البت في دستورية النظام الداخلي لمجلس المستشارين، بعلة أنه وصله ناقصاً، وغير متضمن لبعض التعديلات، وخالياً من 82 مادة، فامتنع المجلس عن البت في دستوريته، مستعملاً العبارة ذاتها، أي: «يتعذر التصريح بمطابقته للدستور على الحال».

3- القرار رقم 934/14، الصادر بتاريخ 14 يونيو 2014، ولعله من القرارات بالغة الأهمية، لأنه لم يتأسس على الوحدة العضوية للنص المحال ككل، بل على أحكام جزئية من النظام، وكان الأمر يتعلق بالنظام الداخلي لمجلس المستشارين. حيث وردت العبارة التالية: «لا يمكن البت في مطابقته للدستور لما يكتنفه من غموض».

4- ومن القرارات المهمة التي اعتمد فيها القضاء الدستوري المغربي تقنية الامتناع عن البت، القرار رقم 31/17، الصادر بتاريخ 27 يوليوز 2017، الخاص بفحص دستورية النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، حيث لاحظت المحكمة أن الإجراءات الواجب اتباعها في وضع وتعديل النظام الداخلي لم يقع تضمينها في النص، مشددة على أنها من القواعد الشكلية الجوهرية، فصرحت بأنه: «يتعذر على الحال البت في مطابقته للدستور وللقانونين التنظيميين لمجلسي البرلمان».

5- وهناك قرارات أخرى، مما استطعنا إحصاءه بعد البحث، وعددها ستة قرارات في المجموع، منذ صدور مقرر الغرفة الدستورية عام 1971. ولا داعي للتفصيل فيها.

الخلاصة إذن أن عبارة «تعذر البت في الإحالة على الحال» تقنية مألوفة الاستعمال في القضاء الدستوري المغربي، وهي لا تفيد عدم المطابقة، ولا تعني المطابقة، بل يقصد منها وجود خلل في ملف الإحالة حال دون تصدي المحكمة لفحص الدستورية، مما يعني أن النص المحال يبقى قائماً ومستمراً، ويمكن إعادة إحالته، إما من طرف من لم يحسن إعداد ملف سليم للإحالة، أو من قبل من منحهم الدستور حق الإحالة، وقد تم تحديدهم على سبيل الحصر في الفصل 132 من دستور 2011.

وللإشارة، تعتمد العديد من الدول هذه التقنية، فهي شائعة ومعمول بها في القضاء الدستوري المقارن، وسنعود إلى بسط نماذج لاحقاً .

 

-تحرير: الفقيه الدستوري امحمد مالكي
– تقديم: جواد مكرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *