«الوفاء للحزب لا يعني الصمت عن الاختلاف».. بهذه الرسالة، فتحت وفاء الزمراني نقاشاً حول موقف حزب الاستقلال من قضية مديحة خيير، وطرحت تساؤلات بشأن طريقة تدبير الملف ومدى قدرة الحزب على الدفاع عن أطره داخل الأغلبية الحكومية.
وفيما يلي نص الرسالة:
فرئيسة الحكومة التي اختارت الدفاع عن أطر حزبها في مواجهة الاتهامات والشبهات المثارة بشأن بعضهم لم تبد القدر نفسه من التحفظ عندما تعلق الأمر بمديحة خيير بل وجهت إليها انتقادات علنية تمس أهليتها لتدبير المال العام.
أكتب هذه الكلمات بصفتي مناضلة استقلالية وقيادية سابقة في هياكل حزب الاستقلال ومن موقع الاعتزاز بانتمائي إلى هذا الحزب الوطني العريق والوفاء لتاريخه ورموزه ومدرسته الفكرية.
وأؤكد منذ البداية أن إحترام قيادة الحزب ومؤسساته واجب لكن هذا الإحترام لا يلغي حقنا في النقد الذاتي المسؤول الذي تربينا عليه في مدرسة الزعيم علال الفاسي.
وكذا، كما علمني أستاذي في النضال وأخي الأستاذ نور الدين الزمراني رحمه الله الذي كان محاميا ومناضلا كبيرا في صفوف حزب الاستقلال ومن الرجال الذين تعلمت على أيديهم أن الوفاء للحزب لا يعني الصمت عن الاختلاف وأن النقد الصادق لا يتعارض مع احترام القيادة بل يعكس الحرص على الحزب ومبادئه ومستقبله.
فالاختلاف في تقدير المواقف والقرارات لا يعني التنكر للانتماء أو التشكيك في شرعية القيادة بل قد يكون تعبيرا صادقا عن الحرص على الحزب ومكانته ومستقبله.
لم أكن أرى في مشاركة حزب الاستقلال في الحكومة خطأ سياسيا في حد ذاته فالمشاركة في تدبير الشأن العام خيار مشروع شريطة أن يحافظ الحزب على استقلالية قراره وعلى حضوره السياسي وألا تتحول مشاركته إلى مجرد توفير سند برلماني لرئيسة الحكومة.
لكن ما حدث منذ الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة بدءا من اختيار الوزراء مرورا بالطريقة التي دبر بها ملف مديحة خيير وصولا إلى تصريحات رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري جعلني أتساءل عن موقع حزب الاستقلال داخل هذه الأغلبية وعن حدود تأثيره في قراراتها.
فقضية مديحة خيير لم تكن مجرد إعفاء وزيرة بعد فترة وجيزة من تعيينها بل شكلت اختبارا سياسيا لقيادة الحزب ولحدود التضامن الحكومي ولمدى القدرة على الدفاع عن كرامة أطره واستقلالية قراره.
لا أحد ينازع رئيسة الحكومة صلاحياتها الدستورية ولا أحد يطالب بالإبقاء على مسؤول حكومي مهما كانت المعطيات المثارة بشأنه.
لكن بين ممارسة الصلاحية الدستورية والتسرع في اتخاذ القرار وبين تحمل المسؤولية السياسية والمساس بصورة الأشخاص مسافة كان ينبغي احترامها.
كان من حق مديحة خيير أن تعامل بما تستحقه من احترام وأن يتم التحقق من الوقائع المثارة بشأنها بعيدا عن ضغط مواقع التواصل الاجتماعي ومحاكمات الرأي العام.
وكان المنتظر من قيادة الحزب أن تتعامل مع الملف بما يقتضيه من ترو وحزم حتى لا يتولد الانطباع بأن الحفاظ على انسجام الأغلبية يمر بالضرورة عبر التضحية بأحد أطر الحزب.
كما أن التصريحات المنسوبة إلى رئيسة الحكومة بشأن أهلية الوزيرة المعفاة لتدبير المال العام تطرح تساؤلا مشروعا حول حدود الخطاب السياسي عندما يتعلق الأمر بسمعة الأشخاص وكرامتهم خاصة في غياب توضيح قانوني شامل للوقائع المثارة.
وما يزيد الأمر إثارة للاستغراب هو هذا التباين في التعامل مع المسؤولين الحزبيين.
فرئيسة الحكومة التي اختارت الدفاع عن أطر حزبها في مواجهة الاتهامات والشبهات المثارة بشأن بعضهم لم تبد القدر نفسه من التحفظ عندما تعلق الأمر بمديحة خيير بل وجهت إليها انتقادات علنية تمس أهليتها لتدبير المال العام.
وهنا يحق لنا أن نتساءل لماذا يستحضر مبدأ الدفاع عن الأطر الحزبية عندما يتعلق الأمر بالأصالة والمعاصرة بينما لا تحظى مسؤولة من حزب الاستقلال بالقدر نفسه من التضامن والإنصاف؟.
والأهم من ذلك لماذا لم نسمع موقفا واضحا من قيادة حزب الاستقلال يضع حدودا لهذا التباين في المعاملة دون المساس بالتضامن الحكومي أو بصلاحيات رئيسة الحكومة؟.
وهنا أتساءل بكل احترام وتقدير للاخ الأمين العام نزار بركة ألم يكن بالإمكان تدبير هذا الملف بطريقة مختلفة تحفظ للحكومة صلاحياتها وللحزب مكانته وللمعنية كرامتها؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني الدعوة إلى مواجهة داخل الأغلبية ولا التشكيك في القيادة وإنما التعبير عن قناعة بأن التضامن الحكومي لا ينبغي أن يكون على حساب استقلالية القرار الحزبي.
فحزب الاستقلال ليس مجرد رقم في معادلة الأغلبية البرلمانية بل حزب وطني عريق له تاريخه ومرجعيته ومؤسساته ومن حق مناضليه أن يروا هذا الرصيد حاضرا في مواقفه واختياراته.
وإذا كانت المشاركة الحكومية تقتضي التوافق وتقديم التنازلات أحيانا فإنها لا تعني التخلي عن حق الحزب في التعبير عن موقفه ولا عن واجبه في حماية الاعتبار السياسي والمعنوي لأطره.
إنني لا أكتب من موقع الخصومة مع القيادة بل من موقع الانتماء والحرص على حزب أعتبره جزءا من هويتي السياسية.
ولا أرى في النقد الذاتي خروجا عن الانضباط الحزبي بل ممارسة مسؤولة تنبع من الوفاء لمبادئ الحزب ومدرسته الفكرية.
فاحترام القيادة لا يعني الصمت والوفاء للحزب لا يعني الموافقة على كل قرار والانتماء الحقيقي لا يقاس بغياب النقد بل بالقدرة على ممارسته بصدق ومسؤولية.
ولذلك فإن تساؤلاتي حول تدبير هذا الملف وحول موقع حزب الاستقلال داخل الأغلبية ليست أحكاما نهائية وإنما دعوة إلى التفكير والمراجعة بما يحفظ للحزب مكانته ولقيادته اعتبارها ولمناضليه حقهم في التعبير.
لقد تعلمنا من مدرسة علال الفاسي ومن رجال الحزب الذين تتلمذنا على أيديهم أن الانتماء موقف ومسؤولية وليس مجرد ولاء للأشخاص.
وسأظل أؤمن بأن قوة حزب الاستقلال لا تكمن فقط في حضوره داخل المؤسسات بل أيضا في قدرته على الإنصات لأصوات أبنائه وبناته وفي شجاعة النقد الذاتي الذي يصحح المسار دون أن يهدم الثقة.
فنحن نحترم قيادتنا ونعتز بحزبنا لكننا لا نتنازل عن حقنا في التفكير والنقد والاختلاف.
وهذا في نظري من صميم الوفاء لحزب الاستقلال ومدرسة علال الفاسي.
*وفاء الزمراني – مناضلة إستقلالية
