الصورة لا تكذب: ابن كيران بزي تقليدي أبيض، عصا في اليد، وخنجر مرفوع بزهو.
الرسالة واضحة: “أنا هنا، وسلاحي معي”.
الرجل يستعد للعودة، وبنفس المنطق، وبنفس الأدوات.
كأن عشر سنوات من الغلاء لم تكن كافية. كأن أنين الأسر التي تخلت عن سياراتها، والشباب الذي أوقف مشاريعه بسبب كلفة النقل، لم يصل إلى مسامعه.
إبراهيم البعمراني -ناشط أمازيغي
يبتسم ويشهر خنجره عالياً، وكأنه انتصر في معركة. لكننا نعرف هذه الابتسامة، ونعرف هذا الخنجر جيداً.
هذا ليس خنجر الزينة في الأعراس ولا رمز الفروسية في المواسم.
هذا الخنجر نفسه الذي ذبح به الطبقة الوسطى قبل سنوات، ومزق به جيوب المواطن البسيط طعنةً بعد طعنة.
واليوم، يعود صاحب الخنجر ليتباهى به من جديد.
رئيس الحكومة السابق يلوّح بسلاحه الرمزي أمام الكاميرات، لكن ذاكرة المغاربة لم تصدأ بعد.
1. الخنجر الأول: رفع الدعم عن المحروقات
كانوا يسمونه “إصلاح صندوق المقاصة”. الحقيقة أنهم رفعوا الغطاء عن نار الأسعار وأحرقوا بها قوت الفقراء. بين ليلة وضحاها، تحول “البوطا” و”المازوط” و”ليصانص” من مواد مدعمة إلى كابوس شهري.
قالوا إن الدعم كان يذهب للأغنياء. فماذا حدث؟ الأغنياء زادوا غنىً، والطبقة الوسطى سقطت إلى القاع، والفقير صار يمشي على قدميه لأن “الطاكسي” صار ترفاً.
الخنجر الأول لم يذبح دعم المحروقات فقط. ذبح معه القدرة الشرائية، وذبح الثقة في الخطاب السياسي الذي يبرر الجَلد بأنه “دواء مر”.
2. لماذا التباهي بالخنجر الآن؟
الصورة لا تكذب: زي تقليدي أبيض، عصا في اليد، وخنجر مرفوع بزهو.
الرسالة واضحة: “أنا هنا، وسلاحي معي”.
الرجل يستعد للعودة، وبنفس المنطق، وبنفس الأدوات.
كأن عشر سنوات من الغلاء لم تكن كافية. كأن أنين الأسر التي تخلت عن سياراتها، والشباب الذي أوقف مشاريعه بسبب كلفة النقل، لم يصل إلى مسامعه.
التباهي بالخنجر استفزاز. هو يقول ضمنياً: “نعم، فعلتها من قبل، وسأفعلها مرة أخرى”.
هو رهان على النسيان الجماعي، وعلى أن الذاكرة السياسية للمغاربة قصيرة.
3. من دفع ثمن الطعنة الأولى؟
الموظف: راتبه ثابت، لكن مصاريفه تضاعفت. صار راتبه ينتهي في 15 من الشهر.
المهني الصغير: سائق الطاكسي، مول الحانوت، الفلاح الصغير. الكازوال هو دم اقتصادهم، ولما ارتفع سعره، نزفوا حتى الموت الاقتصادي.
الطالب: منحة لم تتغير، لكن تذكرة الحافلة والكراء والأكل طارت. فصار التعليم للقدرة المالية لا للكفاءة.
الأسرة المغربية: فاتورة النقل فجّرت كل الفواتير الأخرى. الخضر، السمك، مواد البناء… كل شيء يُنقل بالمحروقات.
هؤلاء هم “الطبقة الوسطى” التي كانت صمام أمان المجتمع. الخنجر مزق هذا الصمام.
4. الخطر: العودة بنفس الخنجر
الخطير ليس في الصورة فقط، بل في ما وراءها.
الخطاب يتكرر: “إصلاحات مؤلمة”، “قرارات لا شعبوية”، “مصلحة الوطن”.
نفس المفردات التي سبقت كل ضربة لمكتسبات المواطن.
اليوم يتحدث عن “الولاية الثانية” و”تصحيح المسار”.
أي مسار؟ مسار الإجهاز على ما تبقى من قدرة الشرائية؟ .
أي تصحيح؟ تصحيح وضعية الصناديق على حساب جيب المواطن؟.
المواطن لم ينس أن “الخنجر” عندما استُعمل أول مرة، قيل له إنه من أجل “محاربة الريع”.
الخلاصة: احذروا التصفيق للجلاد
الخنجر في الثقافة المغربية رمز للشرف والدفاع عن النفس.
لكن عندما يتحول إلى أداة سياسية لذبح القدرة الشرائية، يفقد رمزيته ويصبح مداناً.
من حق أي سياسي، كان ابن كيران او غيره أن يمارس طقوسه الثقافية.
لكن ليس من حقه أن ينسى، أو يُنسيَنا، أن هذا الخنجر بالذات له تاريخ دموي مع جيوبنا.
التباهي بالخنجر اليوم هو رسالة سياسية فجة: “لم أندم، وسأعيد الكرّة”.
والمطلوب من المواطن ليس أن يخاف من الخنجر، بل أن يتذكر جيداً من طُعن به أول مرة، ولماذا، وماذا كانت النتيجة.
لأن الذي يرفع الخنجر مبتسماً اليوم، قد يغرسه باكياً في ظهرك غداً. والتاريخ لا يرحم من ينسى…….رووووووول…..ايت بعمران خط احمر
