بوانو زاغ عن الحقيقة حين قال: “ماتضرب الرصاص فالشوارع حتى جيتو”. هو يقصد أحداث جماعة القليعة بإقليم إنزكان أيت ملول. الوقائع موثقة بالصوت والصورة.
عبد الله بوشطارت | كاتب صحفي وناشط أمازيغي
في رده على مداخلة رئيس الحكومة عزيز أخنوش خلال الجلسة الشهرية يوم الإثنين الماضي، أطلق عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، تصريحاً تجاوز النقد السياسي المشروع إلى المس بصورة الدولة.
قال بوانو حرفيا أمام الكاميرات: “من 1981 ما تضرب الرصاص فالشوارع حتى جيتو السيد رئيس الحكومة. أنتم مسيتو بالأمن والاستقرار ديال البلاد بغيتو ولا كرهتو”.
هذا اتهام خطير. لا يرسم صورة قاتمة عن تدبير الحكومة فحسب، بل يوحي أن الدولة المغربية تواجه المتظاهرين بالرصاص الحي في الشوارع. وهذا كذب صريح.
السياق يفرض سؤالا واحدا: كيف قفز بوانو من انتقاد الحكومة إلى اتهام الدولة ؟
لا أحد يصادر حق بوانو في معارضة الحكومة. الدستور يكفل له ذلك. كما أننا نختلف أيديولوجياً مع حزب العدالة والتنمية، وننتقد الحكومة الحالية بقوة، خاصة في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
حصيلتها في هذا الورش كارثية، وهذا موقف معلن. لكن نقد الحكومة لا يبرر تزوير الوقائع والمس بمكتسبات حقوقية بناها المغرب منذ سنة 2000 بالقوانين والتشريعات والمؤسسات وبالتزام سياسي قوي من طرف الدولة.
بوانو ارتكب ثلاثة أخطاء جسيمة حين قارن احتجاجات “جيل Z” سنة 2025 بأحداث 20 يونيو 1981.
أولا: السياق السياسي مختلف جذريا.
أحداث 1981 كانت انتفاضة اجتماعية دعت إليها نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. جرت في زمن “سنوات الرصاص” حيث غابت الحريات الحزبية والنقابية. أما احتجاجات جيل Z فلم تتبناها أي نقابة أو حزب أو جمعية او تنظيم حقوقي. انطلقت من الفضاء الرقمي على يد جهات مجهولة. نظم الشباب مسيرات في الرباط والدار البيضاء وطنجة وأكادير دون أن تُواجه بالرصاص. القياس بين الزمنين باطل تاريخيا.
ثانياً: واقعة القليعة ليست “رصاصاً في الشوارع”.
بوانو زاغ عن الحقيقة حين قال: “ماتضرب الرصاص فالشوارع حتى جيتو”. هو يقصد أحداث جماعة القليعة بإقليم إنزكان أيت ملول. الوقائع موثقة بالصوت والصورة.
مجموعة من الشبان هاجمت مخفر الدرك الملكي ليلاً، أضرمت النار في سياراته، وحاولت اقتحام البناية حيث تقطن عائلات الدركيين. كان هناك خطر محدق على الأرواح وعلى الأسلحة الوظيفية. دفاعا عن النفس، أطلق بعض رجال الدرك الرصاص من داخل البناية. فيديو طويل وثق الهجوم والتخريب.
الوكيل العام للملك بأكادير عقد ندوة صحفية يوم الخميس 2 أكتوبر 2025 وقدم كل المعطيات. القضاء قال كلمته. لم تخرج قوات الأمن لمطاردة المتظاهرين في الشوارع. هناك فرق بين الدفاع عن منشأة أمنية وبين قصف المتظاهرين. بوانو خلط بينهما عمدا أو سهوا لا نعرف؟.
ثالثا: حصيلة الضحايا تكذب المقارنة.
في يونيو 1981 نزل الجيش إلى الشوارع. سقط عشرات القتلى، وربما المئات، حسب تقارير حقوق الإنسان وتقارير المراقبين والمهتمين بالوضع الحقوقي. كانت هناك مقابر جماعية سرية…أما في 2025، فرغم وفاة ثلاثة شبان في أحداث القليعة المؤسفة، لم تسجل حالة واحدة لمواطن قتله رصاص الدولة وهو يتظاهر سلمياً في الشارع. تشبيه الواقعتين تضليل متعمد للرأي العام.
العودة إلى السياسة تكشف مفارقة أكبر. في عهد حكومتي العدالة والتنمية وقعت أحداث لا تقل مأساوية. حراك الريف وُوجه باعتقال أكثر من 40 ناشطا سلميا. صدرت أحكام قاسية وصلت إلى 20 سنة سجنا… العالم كله شهد بسلمية مطالبهم الاجتماعية والاقتصادية. لكن حكومة البيجيدي، بمعية أحزاب أخرى، اتهمتهم بالانفصال. في عهد البيجيدي أيضا قُمع الأساتذة المتعاقدون، والمعطلون، وحراك جرادة. وسُجن صحفيون بارزون منهم المدافعون عن العدالة والتنمية …وتوقفت مسيرات 20 فبراير بعد وصول الحزب إلى الحكم. بل إن الحزب تراجع عن شعار “محاربة الفساد والاستبداد” بمقولة بنكيران الشهيرة: “عفا الله عما سلف” وبالتنازل عن صلاحيات رئيس الحكومة…
ما نخشاه اليوم هو تحول خطاب المعارضة إلى شعبوية. بوانو بهذه “الرصاصة الطائشة” يقترب من هذا المنحدر. الشعبوية، كما حذر فرانسيس فوكوياما في كتابه الأخير ، توظف الغضب الشعبي لتقويض المؤسسات وضرب سيادة القانون وتسطيح وعي الجماهير. وهي تستغل الأزمات للوصول إلى السلطة، حتى لو كان الثمن هو تشويه صورة الوطن والمؤسسات…
نقد الحكومة واجب. لكن تزوير التاريخ واتهام الدولة بالقتل خط أحمر. هذه ليست معارضة مسؤولة. هذه “رصاصة طائشة” تصيب ثقة المغاربة في بلدهم أولا، قبل أن تصيب خصما سياسيا…
