لم يكن اعتلاء فوزي لقجع منصة الخطابة السياسية مجرد انتقال من مكاتب الإدارة إلى ميكروفونات الحملة الانتخابية. فالوزير المنتدب المكلف بالميزانية، وهو يتحدث باسم حزب الأصالة والمعاصرة، الذي التحق به حديثا، يحمل معه إلى المنصة صفة حكومية لا يمكن فصلها عن الأرقام التي يعلنها، ولا عن المعطيات التي يقدمها، ولا عن الأسئلة التي قد تترتب عنها.

وهنا بالضبط بدأت متاعب لقجع في السباق نحو تشريعيات 23 شتنبر.

ففي أزيلال، لم يكتف المسؤول الحكومي بالدفاع عن البرنامج الانتخابي لـ “البام”، بل وضع رقما ضخما في قلب السجال السياسي. 280 مليار درهم قال إن الحكومة أنفقتها خلال السنوات الخمس الماضية لدعم القدرة الشرائية، من دون أن تحقق الأثر المنتظر.

وكان الرقم، في سياق حديثه، يراد له أن يكون دليلا على إمكانية تعبئة 300 مليار درهم التي يقترحها حزبه خلال الولاية المقبلة.

لكن الأرقام الكبيرة لا تبقى دائما حيث تقال.

فالرقم الذي كان يفترض أن يخدم خطابا انتخابيا في حملة تخللتها العديد من العثرات الخطابية، غادر سريعا منصة “البام”، كما حدث مع قضية ملعب نهائي مونديال 2030، ليدخل منطقة أكثر إزعاجا، منطقة المال العام والمساءلة.

فإذا كانت الحكومة الحالية أنفقت فعلا 280 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية من دون تحقيق الأثر المطلوب، فإن السؤال لا يعود فقط: لماذا لم تنجح هذه الإجراءات؟ بل يصبح أكثر مباشرة، كيف صرف هذا المبلغ؟ أين ذهب؟ كيف توزع؟ ومن كان يتتبع أثره ويقيس نجاعته؟.

وهذه ليست أسئلة اخترعتها المعارضة أو خصوم لقجع السياسيون، وإنما جاءت هذه المرة من “ترانسبرانسي المغرب”، التي دخلت على خط التصريح برسالة إلى المسؤول الحكومي، طالبت فيها بتوضيحات حول تفاصيل النفقات، والمبالغ المخصصة لكل قطاع، وآليات تتبع أثر الميزانيات على الأسعار، فضلا عن طبيعة الالتزامات التي يوقعها المستفيدون وإمكانية استرجاع أموال الدعم عند عدم احترامها.

وهي جملة من الأسئلة الصعبة تضع لقجع أمام حقيقة أن المنصة السياسية أكثر كلفة مما تبدو عليه.

فالسياسي يستطيع أن يراهن على قوة الجملة، ووقع الرقم، وحرارة التصفيق. أما الوزير، فإن الأرقام التي ينطق بها يمكن أن تعود إليه في اليوم التالي على شكل أسئلة محرجة، وطلبات توضيح، ونقاش حول النجاعة والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وهنا تحديدا تكمن ورطة المنصة السياسية التي لم تكن، ربما، في حسبان لقجع.

فحتى عندما جرى تقديم كلامه لاحقا باعتباره “تصريحا سياسيا، فإن ذلك لا يلغي السؤال. فالصفة السياسية لا تمحو الصفة الحكومية، ومنصة الانتخابات لا تعفي المتحدث من ثقل موقعه الرسمي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأرقام مرتبطة مباشرة بالمال العام.

بل ربما العكس.

وهكذا، كلما صعد لقجع إلى المنصة، صار عليه أن يتذكر أن الميكروفون لا يلتقط فقط عبارات المرشح، وإنما يسجل أيضاً كلام الوزير.

وهنا قد تكون المفارقة الأوضح.. لقجع دخل السياسة حاملا معه قاموس الأرقام، لكن السياسة بدأت تعيد إليه هذه الأرقام في صورة أسئلة.

والـ280 مليار درهم قد تكون أول رقم يكتشف أن لمنصة الخطابة السياسية ذاكرة أطول بكثير من مدة التصفيق.

وبالدارجة التي قد تختصر كل هذا السجال: آسي الوزير.. وزن خطابك مزيان فيما تبقى من زمن الحملة الانتخابية الذي لم يبق منه سوى ساعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *