على بعد أسابيع فقط، من إنطلاق الانتخابات التشريعية، كثر الحديث عن ما يسمى بالحملة الانتخابية السابقة لأوانها، ومدى توفر مدونة الانتخابات على آليات حماية تكافؤ الفرص بين جميع المرشحات والمرشحين. 

‏للحديث عن هذا الموضوع، إستضافت منصة le12.ma، الإخبارية المغربية في فقرة «حوارات الانتخابات» محجوب البرش السباعي رئيس مركز رأس بوجدور للبحث و الدراسات، فكان الحوار التالي:

‏حوار : جواد مكرم le12.ma

كثر الحديث ونحن في عام إنتخابي، هو ما يصفه البعض بالحملة الانتخابية السابقة لأوانها. 

‏برأيكم، هل يوجد في التشريع المغربي ما يجرم الحملة الانتخابية السابقة لأوانها؟

‏«في الحقيقة، لا توجد في القانون المغرب جريمة اسمها “جريمة الحملة الانتخابية السابقة لأوانها”، لكن هذا الفعل غير القانوني هو مخالفة لقواعد الفترة القانونية للحملة الانتخابية، وما قد يترتب عن بعض الأفعال المرتكبة خارج هذه الفترة من مسؤولية أو آثار قانونية، بحسب طبيعة الفعل والنص المنطبق عليه.

‏عرف القضاء الدستوري المغربي حالات اعتبرت فيها بعض الممارسات حملة انتخابية سابقة لأوانها، لكن بعد ثبوت هذه الممارسة في إطار المنازعة الانتخابية، و يبقى على المدعي توفير الإثبات.

‏فمثلا تقديم قصاصة صحفية او صور من الفيسبوك او فيديو لا يعد دليلا كافيا لإثبات الحملة الانتخابية السابقة لأوانها، وهنا احيلكم على قرار المحكمة الدستورية بشأن طعن مقدم عن الدائرة الانتخابية بتاوريرت 7أكتوبر 2016. 

‏حيث أن المحكمة رفضت مطالب الطاعنين المدعومة بصور و تسجيلات و محاضر لمفوض قضائي. 

‏إذا القضاء الدستوري سبق النظر في طعون انتخابية تضمنت ادعاءات بحملات سابقة لأوانها، وفي بعض الحالات اعتبر الوقائع ثابتة ورتب عليها آثارا على صحة الانتخاب، بينما رفض ادعاءات أخرى لعدم كفاية الإثبات. 

‏وهذا يؤكد أن المسألة لا تحسم بمجرد الاتهام، وإنما بإثبات الوقائع وتقديرها قضائيا.

‏في الواقع المغربي، لا ينبغي أن نفهم الحملة الانتخابية السابقة لأوانها باعتبارها مجرد إعلان صريح من شخص بأنه مترشح للانتخابات. 

‏المسألة أكثر تعقيدا من ذلك, لانه مع التطور الوسائط التكنولوجية و المنصات الاجتماعية، صار من الصعب التمييز بين الحملات الانتخابية المقنعة و الحملات الصريحة السابقة لأوانها. 

‏المشرع. المغربي حدد فترة زمنية قانونية لممارسة الحملة الانتخابية، وبالتالي فإن الإشكال يطرح عندما تتحول أنشطة سياسية أو تواصلية، يفترض أن تكون عادية ومشروعة، إلى ممارسة انتخابية فعلية هدفها التأثير في الناخبين قبل انطلاق الحملة في موعدها القانوني.

‏وهنا تظهر صعوبة التمييز بين النشاط السياسي المشروع والنشاط الانتخابي المقنع.

‏في الواقع المغربي قد نجد شخصا او حزبا ينظم لقاءات متكررة مع المواطنين، أو يحضر الولائم والمناسبات الاجتماعية، أو يزور مناطق معينة، أو يوزع مساعدات، أو ينشر بشكل مكثف صوره وشعاراته وإنجازاته، أو يستعمل صفحات التواصل الاجتماعي للترويج لشخصه، دون أن يقول صراحة: “انتخبوني”.

‏لكن العبرة ليست دائما بالعبارة الصريحة، وإنما بالمضمون والسياق والتوقيت والغاية والوسائل المستعملة. 

‏فإذا أصبح النشاط موجها بوضوح إلى استمالة الناخبين والتأثير في اختيارهم، فإننا نقترب من المجال الانتخابي الذي ينظمه القانون».

برأيكم كيف يمكن توثيق الفعل الجرمي المخالف لمدونة الانتخابات، خاصة قبل إنطلاق الحملة الانتخابية الرسمية؟.

‏«في تقديري، لا توجد وسيلة واحدة حصرية لإثبات الحملة الانتخابية السابقة لأوانها، وإنما العبرة بتكامل الأدلة والقرائن. فالصورة أو الفيديو أو محضر المعاينة يمكن أن يثبت وقوع نشاط أو نشر محتوى في تاريخ معين، لكنه لا يكفي بالضرورة لإثبات أن ذلك النشاط كان حملة انتخابية. المطلوب هو إثبات طبيعته الانتخابية، ومضمونه، وتوقيته، والغاية منه، وما إذا كان يستهدف التأثير في إرادة الناخبين.

لذلك، فإن الإثبات الأقوى هو الذي يقدم للمحكمة واقعة موثقة ومتكاملة: مضمون انتخابي واضح، وهوية الفاعل، وتاريخ ومكان النشاط، وطريقة مخاطبة الناخبين، إلى جانب مختلف القرائن المرتبطة به. 

‏وقد لا تعتد المحكمة بصور أو محاضر معاينة إذا لم تكن كافية لإثبات العناصر التي تجعل من الواقعة حملة انتخابية سابقة لأوانها.

‏وفي النهاية، يبقى للقضاء تقدير قيمة الأدلة مجتمعة، والتمييز بين التواصل السياسي المشروع وبين الدعاية الانتخابية التي بدأت قبل موعدها القانوني».

‏ما هي العقوبات التي تترتب عن ثبوت قيام بين قوسين جريمة الحملة الانتخابية السابقة لأوانها؟.

‏«في الحقيقة، الأدق قانونيا أن الحملة الانتخابية السابقة لأوانها ليست جريمة مستقلة قائمة بذاتها تحمل هذا الاسم، وإنما هي وصف لفعل انتخابي يتم خارج الفترة القانونية المحددة للحملة.

‏ولذلك لا توجد عقوبة واحدة مقررة لها بمجرد ثبوتها، وإنما يتوقف الجزاء على طبيعة الفعل المرتكب والنص القانوني الذي ينطبق عليه.

‏القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب يحدد زمن الحملة الانتخابية في المادة 21، بينما الباب المتعلق بالزجر يتحدث عن «المخالفات المرتكبة بمناسبة الحملة الانتخابية والعمليات الانتخابية والعقوبات المقررة لها».

‏كما أن بعض الأفعال الانتخابية المحددة في هذا الباب تشكل جنحا وتعاقب بالحبس والغرامة. 

‏فإذا اقترن النشاط السابق لأوانه بأفعال جرمها المشرع صراحة، كشراء الأصوات أو تقديم الهدايا أو التبرعات أو الوعود بقصد التأثير في الناخبين، فإن العقوبات المنصوص عليها لهذه الأفعال يمكن أن تطبق، وقد تصل في بعض الحالات إلى الحبس والغرامة. 

‏أما منازعة انتخابية تقوم فقط على ادعاء وجود حملة سابقة لأوانها، فقد يكون أثرها مرتبطا بصحة الانتخاب وتقدير القضاء للوقائع والأدلة ومدى تأثيرها في نزاهة الاقتراع. لذلك، فالمسألة ليست مجرد “مخالفة زمنية”، وإنما تتطلب تكييفا قانونيا دقيقا للفعل الثابت».

‏*محجوب البرش السباعي (رئيس مركز رأس بوجدور للبحث والدراسات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *