عبد الرزاق بوتمزار- le12.ma

دخل شريط “حياة مجاورة للموت” للمخرج لحسن مجيد المراحل الأخيرة من المونطاج، ليدخل في الأيام القليلة المقبلة، وفق ما صرّح به السيناريست عبد الواحد المهتاني، صاحب فكرة الشريط، لـ”le12.ma”، عما قريب، مرحلة الميكساج، بعد الحسم في بعض الجوانب المتعلقة بالوثائق السمعية -البصرية اللازمة لإغناء الثوثيق المكتوب.

واستغرق إنجاز هذا الشريط، الذي أنتجته شركة “رحاب برود”، أكثر من ثلاث سنوات، من البحث والاستقصاء واستجواب الحالات والتصوير مع الشهود والحالات في كل من العيون وكلميم وأكادير، ثم عملية التفريغ وإعادة كتابة السيناريو للبناء الدرامي للمشاهد التصويرية.

وأضاف السيناريست ومدير الشركة المنتجة للفيلم، في تصريحه للموقع، أن إنجاز الشريط لم يكن سهلا على مستوى عملية البحث، إذ أن جل الوثائق المعتمَدة تعود إلى 2018، تاريخ الإفراج عنها من بعض المؤسسات الدولية (أمريكية وفرنسية وإسبانية) ما جعل صدور الفيلم يتأخّر عن موعده المفترَض، فضلا عن الإكراهات المادية، “لأننا رفعنا سقف التحدي عاليا بتحويل حكايات الشخوص إلى مشاهد تمثيلية، ما تطلب معدّات وآليات كبيرة، من إنارة وديكور وشاحنات وسيارات وأسلحة وممثلين وكومبارس ونفقات التغذية في منطقة نائية لا تتوفر على بنية استقبال، مع اعتماد ممثلين محليين بالنظر إلى عامل اللهجة، ما تطلّب بذل جهود جبّارة على مستوى إدارة الممثلين، إذ لم نكن نستطيع أحيانا، وعلى مدار اليوم، تصوير أكثر من دقيقة ونصف صالحة للمونطاج، إذ لم نكن نقبل بمشاهد لا تتوفر على عنصر الجودة ومتانة الأداء”.

وتابع المهتاني، تصريحة لـ”le12.ma” أن “من ضمن الإكراهات أيضا أننا قمنا ببناء سجون الحفر واختيار بعض الديكورات التي تم تجميعها في مكان واحد، لكننا خلال عملية الحفر وإحراق التراب، سيحاصرنا شباب إحدى القبائل ليمنعونا من مواصلة بناء اليكورات باعتبار أن الأرض تابعة لقبيلتهم، رغم أننا كنا نتوفر على ترخيص من رئيس الجماعة التي يخضع تراب القبيلة لمجالها.. وبعد التفاهم، اتفقنا على الاستمرار في بناء تلك الديكورات مقابل إعطاء الأولوية لأبناء القبيلة في الاشتغال في الفيلم كيد عاملة أو ككومبارس وممثلين.. والجميل في الأمر أن هولاء الشبان وشبان آخرين من مدينة آسّا ساعدونا في التغلب على بعض الصعوبات، في حين ظلت بعض العناصر تمارس علينا التشويش والابتزاز.. ما دفعنا إلى التخلي نهائيا عن هذه المنطقة التي كانت تضم بلاطوهات التصوير، واضطررنا إلى البحث يوميا عن فضاءات أخرى بعيدة وموزعة في إقليم آسا الزاك بقطع مسافة 50 أو 60 كيلومترا عوض عشر كيلومترات، كما هو الحال بالنسبة لجماعة “عوينة لهنا”، التي لم يتأخّر أبناؤها ورئيس جماعتها في توفير شروط إنجاح عملية التصوير”.

وتابع المتحدّث ذاته أن “هذه الإكراهات وغيرها شكلت ضغطا كبيرا على طاقم الفيلم، الذي كان مصرّا على إنجاح عملية التصوير، بل عبّر عن استعداده للعمل وأن يتنازل عن أتعابه المادية إلى حين توافرها.. لكن إدارة الإنتاج كانت حاسمة في هذا الأمر، المتمثل في أداء واجبات الطاقم في حينها، مع استثناءات قليلة توصلت بمستحقاتها بعد انتهاء التصوير، في حين ما زالت هناك بعض الديون -يعود كثير منها لأصدقاء آمنوا بفكرة الشريط- في ذمة الشركة المنتجة تعمل على تسويتها تدريجيا.

ويكشف شريط “حياة مجاورة للموت”، الذي استوحى فكرته من تجارب الأسر والاختطاف والقتل التي مارستها “البوليساريو” والمخابرات الجزائرية، على مدى مراحل تاريخية مختلفة، في حق الكثيرين من أبناء الأقاليم الجنوبية، مدنيين وعسكريين، معطيات جديدة حول موضوع وحدتنا الترابية تكشف، بالحجج والدلائل، أن الجزائر هي الطرف الأساسي في هذا النزاع المفتعَل.

ويستدعي “حياة مجاورة للموت” نماذج إنسانية عاشت التجربة ورسَخت في ذاكرتها وفي جسدها صوراً من كوابيس العذاب ونزيفا معلبا في التجاعيد. ويعيد الفيلم ترميم شدرات ومحكيات الذاكرة عبر مشاهد وأحداث تتوزع على فترات زمنية مختلفة، بالتمثل والاستبطان وتحويلها فنيا إلى بناء درامي توثيقي/ متخيل يستند إلى قصص هذه التجارب وينفذ من خلالها إلى محطات من تاريخ حركة “البوليساريو” والسياق التاريخي التي وُلدت فيه وكيف انتقلت من مطلب تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب من الاستعمار الإسباني إلى شعار الانفصال، بعد أن وقعت تحت كمّاشة ليبيا -معمر القذافي وجزائر -بومدين، الذي أعلن بدون مواربة جعْلَ الحركة الناشئة “حجرة عثرة في قدم المغرب”.. لتنطلق بعد ذلك تصفية عدد من رموزها، منهم مصطفى الوالي، الذي كان قد قال لرفاقه بعد حدث المسيرة الخضراء “لقد ارتكبنا جرما في حق شعبنا”.. ليستمرّ النزيف ويدون فصولا من جرائم الإبادة والتعذيب والاختفاء القسري والاعتقال غير القانوني والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، المعروضة الآن على قاضي التحقيق لدى الغرفة الخامسة للمحكمة الوطنية في مدريد، وضمنها شكاوى مواطنين مغاربة صحراويين وموريتانيين وإسبان، رصد الفيلم قصص حالات بعض منها.

أمّا الرسالة التي يمرّرها “حياة مجاورة للموت” فتتمثل أساسا في استحضار البعد الدولي للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، المرتكبة من قبَل “البوليساريو” والمخابرات العسكرية الجزائرية في حق أبناء الأقاليم المغربية الجنوبية وكذا في حق مواطنين من جنسيات مختلفة، موريتانية وإسبانية وفرنسية. كما تعرض خلفية الشريط تاريخ تشكّل حركة “البوليساريو” والأطراف التي جعلتها تحيد عن منطلقاتها الوحدوية وتتبنّى شعار الانفصال، من خلال كشف معطيات تاريخية يتم تناولها لأول مرة على مستوى المعالجة السينمائية.

واستحضر شريط “حياة مجاورة للموت”، أيضا، مسألة النوع، من خلال تطرّقه لتجربة الأسر التي تعرّض لها مواطنون صحراويون انخرطوا في القوات المسلحة الملكية وقاموا بأعمال بطولية لم يسلط الضوء عليها الإعلام الوطني الضوء بما يكفي. وتعكس مجمل هذه الحالات قسوة المرحلة وتمسّ مختلف العائلات الصحراوية في الأقاليم الجنوبية للمملكة، من واد نون إلى الساقية الحمراء، وكذا أبناء عمومتهم وإخوتهم في تندوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.