عبد الرزاق بوتمزار- Le12.ma

تعجّ كتب التاريخ بقصص مغاربة ساروا مشيا على الأقدام، في الأزمنة الغابرة، حيث لا وسائل للنقل متوفرة، قاطعين مسافات طوالاً من أجل حجّ بيت الله مثلا.. لكنّ خالد مشبال، الذي غادرنا إلى دار البقاء قبل عام عن عمر 83 عاما، سيحجّ إلى بلد آخر ولغاية مختلفة، سائراً على قدميه لمدة تجاوزت الشهور الثلاثة، لا زاد له غير إيمانه برغبته في تحقيق حلمه الوحيد والأوحد: دخول بلاط صاحبة الجلالة لإيجاد منفذ من خلالها للتعبير عن هموم المستضعفين ومَن لا صوت لهم..

وهو لم يتجاوز بعدُ الخامسة عشرة من عمره (سنة 1952) بدأ مشبال مغامرة رحلة محفوفة بالمخاطر، رفقة صديقه عبد القادر السباعي، قادتهما إلى مصر، عبر الجزائر، تونس ثم ليبيا.

في مصر، سيتدبّر مشبال أمور معيشه كيفما اتفق إلى أن تمكّن من التسجيل في جامع الأزهر فقط من أجل الحصول على منحة شهرية لم تكن تتجاوز جنيهَين مصريين شهريا.. بعد ذلك، سيتمكن من اللقاء بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، ومن خلاله بعدد من رموز الحركة الوطنية المغاربية ونجوم الثقافة والفن والسياسة في مصر. كما اشتغل في عدة منابر مصرية (منها “الشعب”، “الأهرام “، “صباح الخير”) بل واستطاع أن يفرض فيها نفسه بتميزّ ملحوظ.

بعد عودته إلى المغرب (1958) سيلتحق الرّاحل بـ”راديو إفريقيا”، وكانت إحدى أهم محطاته في هذه الإذاعة تغطيته لمؤتمر الوحدة المغاربية. وظل مشبال مُصرّا على نقل هموم المغاربة وانشغالاتهم، طامحا إلى المساهمة في تنوير عقولهم من خلال رسالة الإعلام النبيلة، فعمل على تقديم أو إنتاج برامج إذاعية عديدة متنوعة كانت بمثابة “مكتبة” متكاملة الأركان تنقل مستجدات الساحة الوطنية في السياسة والثقافة وأحوال المجتمع… ونذكر في هذا الصدد التحاقه بجريدة “منبر الشعب”، التي كان يصدرها الشيخ المكي الناصري، وبعدها بـ”راديو إفريقيا” كمذيع ومنتج، ومن وراء ميكروفون هذه الإذاعة ظل مشبال يبث مسلسله الإذاعي الشهير آنذاك “القايدة طامو”، الذي ظل موشوما في ذاكرة أجيال من المغاربة.

بعد التحاقه بإذاعة طنجة، التي تولى إدارتها بين 1984 و1995 ستعرف هذه المحطة الإذاعية أوج تألقها وعطائها، على الرغم من المضايقات التي تعرّض لها الرّاحل، في فترات متفرّقة، بسبب توجهاته وانتمائه إلى الاتحاد الاشتراكي بالنظر إلى ما كان يشكّله هذا الحزب من “خطر” إبان حقبة إدريس البصري.. من منبر إذاعة طنجة، إذن، سيتفنّن مشبال في مراوغة آلية “الرقابة” من خلال برنامجه المتميز “حالة شرود”، الذي كان من أنجح البرامج الثقافية التي أعدّها وقدمها الراحل في سبعينيات القرن الماضي.

ولا تفوتنا الإشارة إلى ارتباط الرّاحل خالد مشبال بواحدة من الأصوات الإذاعية التي طبعت العمل الإذاعي في المغرب ككل، في شخص رفيقة حياته ودربه المهني، الإعلامية المتميزة أمينة السوسي. وقد قدّمت السوسي، بدورها، مجموعة من البرامج عبر أثير طنجة خلّفت أثرا بليغا في نفوس المستمعين، منها “رغبات المستمعين”، “أفراح الشعب”، “الأسرّة البيضاء”، “القفّة”، “ليلة القدْر” و”أطفالي الصغار”، ومنه جاء لقبها الشهير “ماما أمينة”.

إلى جانب عمله الإعلامي، عُرف خالد مشبال بكونه واحدا ممّن ساهموا في تنمية فعل القراءة في المغرب والتشجيع عليه، من خلال سلسلة الجيب الشهيرة التي أطلقها في تسعينات القرن الماضي باسم “شراع”.

مسارٌ حافل ومشرّف، إذن، طبع سيرةَ هذا الإعلامي المقتدر والمتميّز في سماء الإعلام والثقافة المغربيين أنهاه الموتُ قبل عام، ليغادرها خالد مشبال وغصّة في القلب والحلق وسؤال معلّق: هل مِن خلَف لهؤلاء الرواد الذين يحصدهم الموت تباعاً؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.