ياسين عدنان

 

لم تكن مجرد مديرة قناة، ولم تتصرف قطّ كمديرة. كانت مناضلة ثقافية، وكانت تشتغل بروح المناضلة، بكرم ونكران ذات. الزملاء في القناة الرابعة، قناتنا الثقافية، أقدر مني على تقديم شهاداتهم حول الراحلة. أما بالنسبة لي، فكانت دائما تتعامل معي من موقع الصداقة والشراكة معًا. كانت تعتبر “مشارف”برنامجها رغم أنه في قناة غير القناة التي تشرف عليها. كانت تشعرني أننا نشتغل معًا. زميلان يوحّدهما نفس الهمّ.

في ندوة نظّمناها بمعرض الكتاب قبل سنوات، تحدّثنا عن هموم الثقافة في التلفزيون، وكانت كعادتها دائما: جدّية، صادقة، صريحة، شجاعة مع احتراس من الخطابات المغالية التي تنتقد بعدميةٍ ولا ترى بصيصا في الأفق.

عوض أن نرثي مارية لطيفي اليوم، قد يكون الأجدر بنا، جميعًا، أن نتواضع قليلا – نحن المدمنين على القنوات “العالمية”- ونشاهد قناتها “المحلية”. لنجرّب أن نتابع برامج القناة الرابعة ولو لبضع ساعات. على الأقل لنُنصِف الرّاحلة. لنكتشف ما تحتويه حديقتها الثقافية التلفزيونية من أسرار.

هناك الكثير من المتباكين على الثقافة وأحوالها على شاشاتنا، ممّن لم يجرّبوا قطّ قضاء ولو سويعات معدودة أمام شاشة قناة مارية لطيفي ليروا أنّ هناك مجهودا يستحق الاهتمام ويفرض الاعتبار بذلَتْه مارية وزملاؤها في صمت وبدون كثير ضجيج. مجهود يستحقّ أن نصفّق له ولو متأخرّين… بعد أن ترجلت صاحبته من فوق الخشبة وأسدل على حضورها الدافئ الستار.

لم أتعرّف إلى مارية لطيفي في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، بل هي صديقة من زمان. منذ أيام “نماذج”. من يذكر منكم برنامجها الثقافي الرفيع الذي كانت تعده وتقدمه على شاشة “دوزيم”؟ مرّة، أيام “نماذج”، سافرنا معًا من البيضاء إلى مراكش في ظروف تكاد تكون هيتشكوكية. وكلما تجدّد لقاؤنا ذكّرتني بسفرنا العجيب الذي لا يسمح مقام العزاء باستعادة تفاصيله. اليوم، ها هي مارية لطيفي تسافر وحيدة وتترك وراءها عملا يحتاج لمن يقدره. أفقا يحتاج لمن يتطلّع إليه. ومشروعا ثقافيا لن يتحقق بالاحتجاج وحده، وإنما يحتاج طاقات بالقيمة الأكاديمية والثقافية والإعلامية لمارية لطيفي لكي يتواصل. رحم الله مارية لطيفي. عزاؤنا واحد في الراحلة الكبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.