محمد بنميلود

أكتبُ قصيدة أخرى ودخان لفافة حشيش قوية آت من الزقاق المعتم يقتحم شقوق نافذة غرفتي ويصل حتى أنفي. إنه محفز قوي على مواصلة كتابة أكثر اختلالا. كتابة مختلّة ومُخِلّة، مُخلخَلة ومخلخِلة، بأقل قدر ممكن من الرومانسية والتنميق والتباهي، وبأكبر قدر ممكن من التقشف والخطر والاستباق.

ليس الموت وحده هو ما يخيف ويهدد، بل الإقامة المستمرة في مكان ميت، والاعتياد على رائحة الجثث.

رائحة حشيش قوية تدفعني مع الوقت إلى الإعجاب بهذا الهامش المتواري للحياة عن الأنظار وعن كاميرات التلفزيون والتلسكوبات الكونية الكبيرة وعن رصد الباحثين والدارسين وعن أيادي القانون الطويلة. لا تستطيع بعد أن تكون قد شممته آلاف المرات إلى درجة شبيهة بالإدمان إلا أن تقول في نفسك مبتسما: إنه حقا حشيش جيد، بضاعة غير مغشوشة بالمرة، بضاعة لن تجدها أبدا عند بائعة السكاكر.

أرفع صوت موسيقى عمر فاروق وأواصل كتابة القصيدة بمزاج إجرامي رائق. الكلمات التي لا تستطيع التواطؤ مع كاتبها كلمات خائنة، خصوصا في الليل، وجب تصفيتها بوحشية بالمقصات وبسكاكين المطبخ غير الحادة، بسيجارة مائلة في الفم منذ سنوات وعين واحدة مزررة تفاديا للدخان.

وأفكر في تربية قطة صغيرة وأنا أرتكب هذه الفظاعات كل ليلة على أوراقي البيضاء. قطة صغيرة جدا دهست أمها شاحنة أزبال. أطعمها قبل أن أجهز طعامي. المنحرفون والمجرمون والقتلة المتسلسلون عادة ما يحنون على قطة يتيمة أو كلب ضال تعلم فيه الأطفال الركل طيلة العطلة. يحنون على نافذة مهشمة بالأشعة، على حجر، على دمية بُترت أطرافها، لكنهم نادرا ما يحنون على البشر.

الجميع متربص بالجميع في الأماكن التي تبنى فيها البيوت بالهياكل العظمية وبالإفلاس والمدن الحديثة بأحلام المعاقين والمبقورين والمعطوبين. اليد سلاح والأصبع زناد، وما إن تتدرب على حدس الآتي قبل وقوعه حتى تسمع الطلقات.

عيون قطة صغيرة في الليل، منتبهة ومتيقظة ومتحفزة للانقضاض، تنعكس فيها شاشة الكومبيوتر بإضاءة إلكترونية متحركة، دون أن ترمش، هي أكثر ما يجسد ما أريد كتابته.

أكتب ساعة، وأحدق ساعة في عيون القطة الصغيرة الليلية الأليفة التي رغم ذلك تخفي داخل أعماقها الوحش المثالي الكامل، بأنياب وأظافر لم تروض أبدا، وغير منزلية البتة.

إنني هنا منذ سنوات طويلة، كنزيل إصلاحية اليافعين الذي يبلغ سن الرشد قبل أن تنتهي مدة سجنه المؤبدة. ينقلونه إلى سجن الكبار الذي لا يفصله عن الإصلاحية إلا جدار. هكذا أنتقل من زنزانة إلى زنزانة، ومن سجن إلى سجن، وأنا مصفد، داخل رأسي.

لقد قتلتُ كلمات كثيرة، سحلتها ومثلت بها. لا أعرف سوى أن أفعل ذلك. كلما حاولت التوبة أفشل وأعود إلى هذه المهاوي السيكوباتية التي تدفع المدمنين دائما إلى ذلك العود الأبدي الشنيع إلى الفظاعة.

مصحات معالجة الإدمان وإعادة الإدماج الأدبي لا تنفع معي بأي شيء. أدخن وأخطط، وأسمع موسيقى عمر فاروق الهادئة التي تحفز أكثر على ارتكاب مزيد من جرائم الجمال، وأمسد فرو القطة الصغيرة المتوحشة بيدي نفسها التي أكتب بها، حتى تهدأ وتستكين وتنام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.