في قضية امتناع  الاتحاد الاشتراكي عن التصويت  لصالح تسقيف أسعار المحروقات وتأميم شركة” سامير”، وهو القرار نفسه الذي تبناه حزب الاستقلال أحد مكونات التحالف الحكومي، وجدت قيادة حزب الوردة نوعا من ” الحرج” في الدفاع عن موقفها هذا الذي يتماهى، في العمق، مع  موقف الأغلبية الحكومية، التي لا ترى مصلحة في تسقيف أسعار المحروقات، طالما أن الاقتصاد المغربي يقوم على حرية  المنافسة والأسعار وحرية السوق القائمة على العرض والطلب.

 منذ بضعة أسابيع ، وخاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التشريعية لـ23 شتنبر، بدأ  الاتحاد الاشتراكي يميل أكثر نحو  خطاب المهادنة للحكومة عوض ممارسة النقد الحاد كما يقتضيه مقام الحزب الذي اصطف في المعارضة طيلة الولاية البرلمانية التي توشك على الانتهاء.  صحيح أن المعارضة لا تقتضي بالضرورة “معارضة  كل شيء وفي كل الأحوال”، غير أن ثمة مواقف تبناها الحزب تصب في صالح الحكومة وتتعارض مع مواقف باقي أطياف المعارضة بالبرلمان.

       مواقف عديدة لحزب الوردة  تكشف تجاوبه الإيجابي  مع  قرارات التحالف الحكومي، فيما لا يُقر الحزب صراحة أنه “يساند” الحكومة، بل يواصل أداءه على أساس أنه حزب معارض. آخر نموذج لمواقفه المؤيدة للحكومة هو  كما سبقت الإشارة، امتناع  فريقه في مجلس المستشارين عن التصويت على مقترحي قانونين يتعلقان بتسقيف أسعار المحروقات وتأميم شركة ” سامير “، وهو موقف لعب لصالح الأغلبية الحكومية التي تمكنت من إسقاط المقترحين.

لكن  المثير في موقف الحزب أنه لم يتشبث بموقفه المؤيد للحكومة، بل أكد أنه لم يعبر من خلال التصويت على موقغ مؤيد للحكومة، بل قام  بتأويل موقفه ، مدعيا  أن  الامتناع  عن التصويت يجسد احتجاجا سياسا للحزب ضد ما يسميه ” تغول ” الحكومة !!   لأن الأغلبية العددية للحكومة هي التي أسقطت  المقترحين. هكذا !!

إن الامتناع عن التصويت عزز في الحقيقة موقف الأغلبية، وأضعف موقف المعارضة التي كانت تدفع في اتجاه التسقيف.  في هذه القضية بالذات، عبر الاتحاد عن سلوك مزدوج إذ حاول إمساك العصى من الوسط، فلا هو  كان يريد أن يعبر  صراحة عن تأييده للحكومة، و لا كان  يريد أن يدعم  موقف المعارضة، بسبب خلافاته  الحادة مع بعض مكوناتها، “البيجيدي”  أساسا.

الأمر ليس اعتباطا بل هو موقف مدروس بعناية له ارتباط بهواجس انتخابية محضة…  

  فلكي نفهم موقف الاتحاد الاشتراكي من مسألة تسقيف أسعار المحروقات، لا بد من ربطه بمواقف الحزب الأخرى التي عبر عنها، خاصة في الفترة الأخيرة، والتي مرر من خلالها رسائل إلى الحكومة، رسائل التهدئة ومجاراة الحكومة في قراراتها ومواقفها، رغم صخب خطاب ” المعارضة  الاتحادية” داخل القبة الذي يُخفي معارضة مهادنة.

لقد أكد ادريس لشكر، في عدد من خرجاته الإعلامية الأخيرة، أن الحزب ليس له خصوم سياسيين، ورفض الكشف عن تحالفاته المستقبلية،  ولم يوجه أي انتقادات حادة للحكومة،  بل اكتفى بالحديث عن ” التغول”. والأكثر من ذلك أن الاتحاذ الاشتراكي لديه حساسية من ” البيجيدي” أحد مكونات المعارضة  في البرلمان، وهو يرفض التماهي مع خطاب” البيجيدي” ومع دعوته إلى تسقيف أسعار المحروقات، مُفضلا تبني موقف متفرد عوض التعبير عن موقف  داعم ومساند لموقف “البيجيدي”.

هذه ليست هي المرة الأولى التي يعبر فيها حزب الاتحاد الاشتراكي عن مواقف تصب في صالح الحكومة، فقد سبق أن أسقط ملتمس الرقابة حتى قبل أن ينضج ويرى النور ، وهو ما خدم مصلحة الحكومة، كما لعب الفريق الاشتراكي دورا كبيرا في إفشال التنسيق بين مكونات المعارضة بالبرلمان، من خلال التعبير عن مواقف مغايرة لمواقف باقي أطياق المعارضة.

  في الحقيقة، لا يريد الاتحاد الاشتراكي أن يُزعج الحكومة الحالية وهو شديد الحرص على أن يحافظ على شعرة معاوية ولا يحرق كل أوراقه معها (وهي نفس الحكومة المقبلة على الأرجح)،  تحسبا لنتائج الانتخابات المقبلة والمشاورات الخاصة بتشكيل الحكومة ومعانقة آمال عريضة في  المشاركة في  الحكومة المقبلة.

  فرسائل الحزب تستشرف ما بعد انتخابات 23 شتنبر والرغبة في الخروج من المعارضة التي لم تعد تُغري قيادة الحزب ،  وإيجاد موطئ  قدم  في التشكيلة الحكومية المقبلة ، خاصة أن كل التوقعات تشير إلى أن الفريق الحكومي الحالي سيواصل مهامه لولاية جديدة  بعد 23 شتنبر 2026، لذلك فمن الأفضل الإبقاء على علاقة “طيبة” معه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *