على امتداد واحد وعشرين سنة، شكلت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تحولا عميقا في فلسفة الدولة الإجتماعية بالمغرب، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، الذي جعل من الإنسان محورا لكل السياسات العمومية، ومن الكرامة أساس لأي مسار تنموي حقيقي.

لقد جاءت هذه المبادرة في لحظة كان فيها المغرب في حاجة إلى مقاربة جديدة برؤية شمولية ، تعالج جذور الهشاشة والفقر والإقصاء. ومنذ انطلاقتها، أرست المبادرة توجهات كبيرة ، ترتكز على الإدماج والتمكين والمشاركة، وهو ما جعلها تحظى باعتراف واسع كأحد أبرز الأوراش الملكية ذات الأثر المجتمعي العميق.

إن ما يميز هذا الورش الملكي، يتمثل في قدرته على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، من خلال إشراك الفاعلين المحليين، وتعزيز دور المجتمع المدني، وتمكين الفئات الهشة من الإنخراط في دينامية اقتصادية واجتماعية متجددة.

وفي مراحل المبادرة ، برز توجه واضح نحو الإستثمار في الرأسمال البشري في المرحلة الثالثة ، ببرامج موجهة للطفولة المبكرة، ودعم التمدرس، وتأهيل الشباب، وتعزيز الإدماج الإقتصادي للنساء و تعزيز قدرة المواطن على الإنتاج والمساهمة في بناء مجتمعه.

إن بلوغ هذا المستوى من النضج في التجربة، يفرض اليوم الإنتقال إلى مرحلة أكثر عمق، ترتكز على الأثر والإستدامة وخلق ديناميات اقتصادية محلية مستدامة.

وفي هذا السياق، تندرج مواصلة تطوير آليات الحكامة وتعزيز التتبع والتقييم في إطار الدينامية المتجددة التي يعرفها هذا الورش الملكي، بما يكرس فعالية أكبر في التدبير، ويعزز من جودة الأثر التنموي وانعكاساته الإيجابية على المواطنين. كما يشكل توجيه تدخلات المبادرة نحو مجالات ذات قيمة مضافة، مثل ريادة الأعمال، والإقتصاد الإجتماعي والتضامني، والتكوين المرتبط بحاجيات السوق، امتداد طبيعي للرؤية الملكية التي تجعل من تمكين الإنسان رافعة أساسية للتنمية.

ولا يمكن في هذا الإطار إلا التأكيد على الدور المحوري للنخب السياسية والمنتخبة، في مواكبة هذا الورش وتعزيز التقائية برامجه، وتأطير المبادرات المحلية، لضمان استدامة المشاريع وتحقيق أهدافها النبيلة. إن مكتسبات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ستظل رافعة أساسية لتعزيز التنمية المحلية وترسيخ الإدماج الإجتماعي، من خلال تقليص الفوارق، وتعزيز التماسك المجتمعي، وفتح آفاق جديدة أمام فئات واسعة من المواطنين. وهو ما يجعلها أحد الأعمدة الأساسية لبناء مغرب قوي داخليا، وقادر على تعزيز موقعه قاريا ودوليا.
وفي ظل الرؤية الملكية المتبصرة، التي تجعل من هذا الورش خيار استراتيجي، تتأكد أهمية استدامته، مع تجديد أدواته، والإنفتاح على مقاربات مبتكرة، تواكب تحولات المجتمع وتستجيب لتطلعاته.

إن مغرب المستقبل، الذي يقوده جلالة الملك برؤية متبصرة، مشروع حضاري متكامل، يعيد الإعتبار للإنسان، ويحصن الوطن، ويرسخ مكانة المغرب كقوة صاعدة بثقة وسيادة، في إطار استقرار مستدام وريادة قارية متجددة و مبتكرة.

بقلم الدكتور جمال العزيز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *