إذا صحّ أن بعض القيادات الحزبية تتداول بالفعل اسم فوزي لقجع مرشحاً للانضمام إلى حزبها، بل وربما لتولي قيادته وقيادة الحكومة في حال تصدّره الانتخابات المقبلة، فهذا يطرح أسئلة جوهرية حول وضعية العمل الحزبي في المغرب. 

*علي أنوزلا- كاتب صحفي 

ثمة زاوية أخرى في هذا النقاش تستحق التوقف عندها، وتتعلق بالأحزاب نفسها أكثر مما تتعلق بالشخص المعني. 

فإذا صحّ أن بعض القيادات الحزبية تتداول بالفعل اسم فوزي لقجع مرشحاً للانضمام إلى حزبها، بل وربما لتولي قيادته وقيادة الحكومة في حال تصدّره الانتخابات المقبلة، فهذا يطرح أسئلة جوهرية حول وضعية العمل الحزبي في المغرب. 

فما معنى أن يعجز حزب يطمح إلى قيادة الحكومة عن إنتاج قياداته من داخله، وأن يجد نفسه في حاجة إلى استقطاب شخصيةٍ من خارج هياكله في اللحظات الأخيرة لتقوده نحو الاستحقاقات الانتخابية؟.

وما الذي يبقى من وظيفة التأطير السياسي وصناعة النخب إذا تحولت الأحزاب إلى فضاءات تنتظر وصول شخصية جاهزة لتسليمها مفاتيح القيادة؟ .

يبدو المشهد، في هذه الحالة، أقرب إلى “ميركاتو” سياسي يستعير منطقه من عالم كرة القدم، حيث تسعى الأندية الغنية إلى التعاقد مع نجوم جاهزين لتعزيز حظوظها في المنافسة. 

لكن السياسة تختلف عن الرياضة؛ فالأحزاب ليست أندية انتخابية، بل مؤسّسات يفترض أن تنتج الأفكار والبرامج والقيادات. 

ولذلك الرهان على استقدام شخصية من خارج التنظيم لقيادته لا يعكس قوة الحزب بقدر ما يكشف حدود قدرته على تجديد نخبته وصناعة قياداته. 

وعندما تفقد الأحزاب هذه الوظيفة الأساسية تتحوّل إلى مجرد آلات انتخابية أو دكاكين سياسية موسمية، هدفها الأساسي تسيير الاستحقاقات الانتخابية أكثر من المساهمة في بناء حياة سياسية حقيقية ومستدامة.

ليس الأثر الأبرز لهذه الحملات فقط في ما تروجه من سيناريوهات، بل في حالة الانتظار السياسي التي تنتجها، وكأن جزءاً من مستقبل الانتخابات المقبلة بات معلقاً على قرار شخصي مؤجّل أو لم يُتخذ بعد. وهنا تستحضر الأذهان، بصورة ما، أجواء مسرحية “في انتظار غودو” لصموئيل بيكيت؛ في انتظار الشخصية المنقذة التي قد تأتي وقد لا تأتي، فيما تستمر التكهنات وتُبنى عليها الحسابات والتحالفات والتوقعات. 

هذا الانتظار، في حد ذاته، مؤشرٌ على أزمة أعمق، لأن السياسة في الأنظمة الديمقراطية يفترض أن تُبنى على تنافس البرامج والمؤسّسات والقيادات الحزبية القائمة، لا على ترقب قرار فردي يُنظر إليه كما لو أنه وحده القادر على تحديد مآلات الاستحقاق الانتخابي المقبل. 

فحين تصبح مواقع المسؤولية المنتخبة موضوع تكهنات مبكّرة وقراءات فوقية وغامضة، فذلك يساهم في إضعاف المعنى السياسي للانتخابات وتحويلها إلى مجرّد إجراء تقني منفصل عن رهانات التمثيل الشعبي والتنافس الديمقراطي. 

كما أن استمرار هذا الانطباع يهدّد بتعميق أزمة الثقة في العمل السياسي وفي الانتخابات باعتبارها الآلية الأساسية التي يفترض أن تعبر عن إرادة المواطنين وتمنح الشرعية للمؤسسات المنتخبة.

وفي هذا السياق، لا يتعلق النقاش بمستقبل شخصية بعينها بقدر ما يتعلق بمستقبل السياسة نفسها، وبقدرة العملية الانتخابية على الحفاظ على معناها ودورها 

فضاءً للتنافس حول البرامج والاختيارات.

* نشر في صحفية العربي الصادرة من لندن تحت عنوان : «انتظار لقجع.. أو نهاية السياسة في المغرب!»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *