رغم التأخر في النتيجة جراء أخطاء فردية لم تظهر على منتخب المغرب، أي علامات إرتباك تكتيكي أو ذهني.
لم نشاهد أي اندفاع عاطفي، بحثا عن التعويض السريع.
ولم نشاهد اختلالاً في التمركز أو فقدانا للاتزان الجماعي..
بل بدا الفريق وكأنه يتعامل مع المباراة بمنطق مختلف..
*مهند الجالي

في كرة القدم الحديثة لا تُقاس قيمة المنتخبات الكبرى بعدد المباريات التي تفوز بها بل بالكيفية التي تتعامل بها مع لحظات الاضطراب داخل المباراة نفسها. فالتفوق الحقيقي لا يظهر عندما تسير الأمور وفق الخطة وإنما عندما يفرض الواقع سيناريو مختلفا وتبقى المنظومة قادرة على الحفاظ على توازنها وهويتها
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة إنتصار منتخب المغرب على هايتي بأربعة أهداف مقابل هدفين.
و بعيداً عن النتيجة وما تحمله من أرقام قدمت المباراة مؤشرات أكثر أهمية على المستوى الفني والذهني.
فقد دخل منتخب المغرب بخيارات بشرية مختلفة وببعض التعديلات في الرسم والسلوك التكتيكي مقارنة بما شاهده المتابعون في المباراتين السابقتين أمام البرازيل وأسكتلندا.
هي إشارة مهمة إلى أن الجهاز الفني لا يبحث عن تكرار الحلول بل عن بناء منظومة تمتلك القدرة على التكيف دون أن تتخلى عن مبادئها الأساسية وهذه نقطة فارقة في مسار المنتخبات الكبيرة.
فالهوية الكروية ليست قالباً جامداً، بل مجموعة مبادئ تسمح بتعدد الأدوات واختلاف الحلول دون فقدان الشخصية العامة للفريق.
ورغم التأخر في النتيجة جراء أخطاء فردية لم تظهر على منتخب المغرب، أي علامات إرتباك تكتيكي أو ذهني.
لم نشاهد أي اندفاع عاطفي، بحثا عن التعويض السريع.
ولم نشاهد اختلالاً في التمركز أو فقدانا للاتزان الجماعي..
بل بدا الفريق وكأنه يتعامل مع المباراة بمنطق مختلف..
منطق يدرك أن السيطرة على الإيقاع أهم من الانفعال باللحظة..
وهنا تبرز واحدة من أهم السمات التي بدأت تتشكل داخل هذه المجموعة.. إنه
النضج الذهني.
منتخب المغرب، لا يلعب تحت ضغط النتيجة بقدر ما يلعب وفق قناعاته وهذه من الخصائص التي تميز المنتخبات القادرة على الذهاب بعيداً في البطولات الكبرى.
لأن مباريات كأس العالم لا تُحسم دائما بالتفوق الفني، بل كثيراً ما تحسم بقدرة اللاعبين على إدارة التوتر والشك واللحظات الرمادية التي تمر بها كل مباراة.
ومن الملاحظ أيضا أن الرصيد البشري المتاح للجهاز الفني يمنح منتخب المغرب،، مرونة تكتيكية كبيرة .
فعدد مهم من اللاعبين قادرون على أداء أكثر من وظيفة داخل المنظومة نفسها وهو ما يسمح بإجراء تعديلات مستمرة أثناء المباراة دون الحاجة إلى تغيير الهوية العامة للفريق.
وفي هذا الجانب تحديداً، تظهر قيمة العمل التدريبي الحقيقي..
فالمدرب لا يُقاس فقط بقدرته على اختيار التشكيلة المناسبة بل بقدرته على بناء منظومة تسمح للاعبين بالتكيف مع متغيرات المباراة وتمنح الفريق حلولا متعددة أمام الضغوط المختلفة التي قد يفرضها المنافس مهما كان إسمه أو تاريخه الكروي.
فلم يعد هناك فرق صغيرة بل هناك عمل ثم العمل فالعمل..
أما المؤشر الأكثر أهمية في هذه المباراة فقد كان متعلقاً بطريقة تعامل المنتخب مع التأخر في النتيجة.
الفرق الصغيرة تتغير نفسياً عندما تتأخر أما الفرق الكبيرة فتغير المباراة والمغرب بدا أقرب إلى النموذج الثاني.
لم تتغير لغته الكروية لم تتغير طريقة تحركه ولم يتغير مستوى الثقة الجماعية داخل الفريق وهذه من العلامات التي يبحث عنها المدربون أكثر من بحثهم عن الانتصار نفسه.

لأن البطولات الطويلة لا تكافئ الفرق التي تتفوق عندما تكون الظروف مثالية، بل تكافئ الفرق التي تحافظ على توازنها عندما تصبح الظروف معقدة.
ومع تقدم البطولة لن تكون جودة الأسماء وحدها هي العامل الحاسم، بل ستصبح إدارة الإيقاع والتحكم في الحالة الذهنية واستثمار العمق البشري والقدرة على التكيف مع مختلف السيناريوهات عناصر أكثر تأثيراً من أي تفوق فردي.
ولهذا فإن المكسب الأهم لمنتخب المغرب، حتى الآن لا يتمثل فقط في عدد النقاط أو حجم النتائج.
بل في ذلك الوعي الجماعي الذي يتشكل تدريجيا داخل المجموعة.
وعي يجعل الفريق قادراً على التقدم دون ارتخاء والتأخر..
دون إنهيار كذلك.
بل والتعامل مع مختلف ظروف المباراة دون أن يفقد شخصيته.
وتلك في العادة إحدى العلامات المبكرة للمنتخبات التي تعرف جيداً إلى أين تريد أن تصل.
إعلامي- ليبي
