عندما تولت حكومة عزيز أخنوش المسؤولية سنة 2021، لم يكن الطريق مفروشا بالورد أو خاليا من المعيقات؛ بل وُلدت هذه التجربة الحكومية في خضم أعقد ظرفية استثنائية مر بها المغرب في تاريخه الحديث. من تداعيات الأزمات الجيوسياسية والتضخم العالمي، إلى جفاف قاهر امتد لسبع سنوات متتالية ونقص حاد في الموارد المائية، وصولا إلى كوارث طبيعية كزلزال الحوز وفيضانات الجنوب الشرقي. غير أن هذه التحديات الجسيمة لم تزد الإرادة السياسية للأحرار إلا صلابة، لتتحول السنوات الخمس الماضية من زمن لإدارة الأزمات إلى ملحمة تنموية غير مسبوقة أرست ركائز دولة الرعاية الاجتماعية وأعادت رسم العقد الاجتماعي للمملكة بلغة الأرقام الملموسة لا بالخطب والمزايدات.
وقد قامت الفلسفة التدبيرية للحكومة على تحويل الالتزامات إلى واقع يعيشه المواطن في يومياته، وهو ما تتوج بحصيلة نوعية وشاملة منها خمسون إنجازا استراتيجيا غير مجرى التدبير العمومي. ففي شق الحماية الاجتماعية والتضامن، أطلقت الحكومة دعما اجتماعا مباشرا لنحو 4 ملايين أسرة تضم حوالي 12 مليون شخص بمبالغ تتراوح بين 500 و1350 درهما شهريا، مع إقرار منحة ولادة بقيمة 2000 درهم للمولود الأول و1000 درهم للثاني. كما اتسعت رقعة دعم الأرامل لتشمل أزيد من 396 ألف مستفيدة بعدما كانت لا تتجاوز 75 ألفا قبل 2021، وتخصيص 500 درهم شهريا لليتامى بكتلة ادخارية تضمن كرامتهم عند الرشد، فضلا عن منحة الدخول المدرسي لـ 3,4 ملايين تلميذ، وإطلاق برنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن الرئيسي بخصم يصل إلى 100 ألف درهم.
أما في قطاع الصحة، فقد شهدت المنظومة ثورة حقيقية بعدما ارتفعت ميزانيتها من 19,7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42,4 مليار درهم سنة 2026، وتم تعميم التغطية الصحية لتمكين أزيد من 11 مليون شخص من نظام أمو تضامن بتكلفة حكومية تناهز 10 مليارات درهم سنويا، وتوسيع العرض ليشمل 4 ملايين من المهنيين وغير الأجراء. وحرصا على القرب العلاجي، ارتفع عدد المهنيين من 17,4 إلى 30 مهنيا لكل 10 آلاف نسمة، وتوج ذلك باستكمال تأهيل 1400 مركز صحي وإطلاق تأهيل 1600 مركز إضافي، مع إطلاق المجموعات الصحية الترابية وإحداث 7 مستشفيات جامعية لتعميمها على جميع الجهات.
ولأن قطاع التعليم يمثل قاطرة التنمية البشرية، فقد قفزت ميزانيته مع هذه الحكومة من 58,9 مليار درهم إلى 99,1 مليار درهم سنة 2026، وتم تتويج ذلك بتوسيع التعليم الأولي لتتجاوز نسبة التمدرس فيه 88%، وإرساء نموذج مؤسسات الريادة في 4626 مدرسة ابتدائية. كما أنهت الحكومة عقودا من التوتر بطي ملف التعاقد نهائيا وإدماج الأساتذة في نظام أساسي موحد كموظفين عموميين، وفتح باب الترقية إلى خارج السلم لـ 80 ألف أستاذ، بالتوازي مع إطلاق جيل جديد من طلبة الدكتوراه بمنحة شهري قدرها 7000 درهم، ورفع ميزانية البحث العلمي بنسبة 157%، وتنزيل مدن المهن والكفاءات في 10 جهات.
كما تزامنت هذه التحولات مع حوار اجتماعي تاريخي أنصف الشغالين؛ حيث تم إقرار زيادات شهرية بنحو 4000 درهم للأطباء، و3000 درهم للأساتذة الجامعيين، وما بين 1500 و2000 درهم للأساتذة، و1500 درهم للممرضين، وزيادة عامة قدرها 1000 درهم لعموم الموظفين. وارتفع الحد الأدنى للأجور في القطاع العام إلى 4500 درهم، ومتوسط الأجر الصافي إلى 10600 درهم، مع رفع الحد الأدنى للأجر في الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 20% والأجنبية الفلاحية بنسبة 25%، ومراجعة الضريبة على الدخل، وتقليص ساعات عمل حراس الأمن الخاص إلى 8 ساعات، خفضا لمدد الاشتراك التقاعدي بالضمان الاجتماعي من 10 سنوات إلى 4 سنوات فقط، بينما نجحت الحكومة في كبح التضخم من 6,6% سنة 2022 إلى 0,8% سنة 2025.
ولم تقتصر الإنجازات على الجانب الاجتماعي، بل امتدت لبناء اقتصاد وطني قوي ومنافس؛ حيث ارتفع معدل النمو الاقتصادي إلى 4,9% ونما الناتج الداخلي الخام بنسبة 34,8% ليصل إلى 1720,2 مليار درهم، مع تقليص عجز الميزانية إلى 3,5% وخفض دين الخزينة إلى 67,2%. كما ارتفعت الموارد العادية للدولة إلى 424 مليار درهم والمداخيل الجبائية إلى 342,1 مليار درهم. وشهد المجال الاستثماري إخراج ميثاق الاستثمار الجديد بمنح تصل إلى 30%، وارتفع الاستثمار العمومي إلى أعلى مستوى تاريخي بـ 380 مليار درهم سنة 2026، مع ارتفاع التدفقات الأجنبية المباشرة إلى 56 مليار درهم، وزيادة عدد المقاولات إلى أزيد من 700 ألف مقاولة، ورقمنة الصفقات العمومية.
وانعكست هذه الحركية على الميزان التجاري والقطاعات الواعدة؛ حيث نمت الصادرات الوطنية إلى 469 مليار درهم، والصناعية إلى 408 مليارات درهم، وصادرات الصناعة التقليدية إلى 1,23 مليار درهم. وعلى مستوى السياحة، تحققت أرقام قياسية باستقبال 19,8 مليون سائح وجني 138 مليار درهم كعائدات. ولمواجهة الإجهاد المائي، قفزت كميات المياه المحلاة بنحو 1200% لتصل إلى 415 مليون متر مكعب، ودُعم الكسابة لمواجهة الجفاف وإعادة تكوين القطيع بمنح مباشرة للأغنام والماعز، وتُوج هذا التلاحم الميداني بالإنصات لنبض الشارع عبر الإلغاء النهائي للساعة الإضافية والعودة للتوقيت القانوني.
إن هذه المنجزات الخمسين، التي تحققت في ظرف خمس سنوات فقط وفي ظل جملة من الأزمات، ليست مجرد أرقام بل هي شهادة للتاريخ على تجربة حكومية امتلكت الإرادة السياسية والشجاعة التدبيرية. إنها حصيلة نوعية بكل المقاييس تؤسس لمرحلة جديدة من الثقة، وتثبت أن نهج التجمع الوطني للأحرار في وفائه بالعهود هو الخيار الأضمن لمواصلة بناء مغرب الكرامة والفرص للجميع.
