لم تحسم نتائج الانتخابات وحدها شكل الحكومة المقبلة، بل فتحت أيضاً نقاشاً حول طبيعة الشخصية القادرة على إدارة المرحلة السياسية والمؤسساتية القادمة، وهو السياق الذي يضع فيه الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما اسم محمد الشيخ بيد الله.

قد تكون «الرواية الأخرى» لمحمد الشيخ بيد الله هي أنه لا يعود إلى واجهة النقاش بحثا عن منصب، وإنما لأن المرحلة نفسها قد تعيد طرح الحاجة إلى رجل دولة بهذه المواصفات الشاملة والمتكاملة.

الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما – كاتب سياسي

أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 مشهدا سياسيا جديدا، تصدر خلاله حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، لتبدأ مباشرة مرحلة جديدة من النقاش حول الأغلبية المقبلة وتركيبة الحكومة ومن سيقودها.

وفي خضم هذه المرحلة، يعود اسم الدكتور محمد الشيخ بيد الله إلى واجهة النقاش باعتباره أحد الأسماء التي يمكن أن تثير الانتباه إذا ما اتجهت المشاورات نحو البحث عن شخصية ذات تجربة سياسية ومؤسساتية واسعة.

ولا يتعلق الأمر هنا بالقول إن اسمه حُسم أو أنه اختير لرئاسة الحكومة، وإنما بقراءة في العناصر التي تجعل طرح اسمه قابلا للنقاش، خصوصا أن المرحلة المقبلة قد تتطلب شخصية قادرة على إدارة حكومة تواجه معارضة برلمانية قوية ومتعددة المشارب.

وتبرز أهمية محمد الشيخ بيد الله أولا من خلال مساره الطويل داخل مؤسسات الدولة والحياة السياسية، فقد سبق له أن تولى حقيبة وزارة الصحة، وترأس مجلس المستشارين، كما تولى الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، فضلا عن مسؤوليات أخرى راكم من خلالها معرفة دقيقة بآليات اشتغال الإدارة والمؤسسات التنفيذية والتشريعية والحياة الحزبية. وهذه التجربة المتعددة تمنحه رصيدا مختلفا عن رصيد السياسي الذي تقتصر تجربته على العمل الحزبي أو البرلماني، إذ تجمع مسيرته بين تدبير الملفات الحكومية، والعمل المؤسساتي، والتفاوض السياسي، ومعرفة طبيعة التوازنات التي تحكم العلاقة بين مختلف الفاعلين.

وتزداد أهمية هذا الرصيد بالنظر إلى طبيعة المعارضة التي يمكن أن تواجه الحكومة المقبلة، في ظل حضور قوى سياسية من خلفيات مختلفة، من الإسلاميين إلى اليساريين، وهي مكونات سبق أن أظهرت استعدادا لممارسة معارضة قوية ومساءلة الحكومة حول اختياراتها وقراراتها.

ومن هنا، فإن اختيار شخصية تتمتع بالهدوء والرزانة والخبرة في إدارة الاختلاف يمكن أن يكون عاملا مهما في إنجاح مؤسسة رئيس الحكومة نفسها، وليس فقط في تدبير الأغلبية. فمحمد الشيخ بيد الله، بحكم تجربته الطويلة، يعرف منطق المؤسسات، ويعرف المعارضة والأغلبية، ويدرك أن قوة الحكومة لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تستند إليها، وإنما أيضا بقدرتها على التواصل والإقناع وإدارة النقاش السياسي والبرلماني.

ثم هناك البعد الشخصي والاجتماعي الذي لا يمكن تجاهله في قراءة شخصية بيد الله، فهو طبيب وبروفيسور ومثقف معروف، وصاحب شخصية هادئة ورصينة، وفي الوقت نفسه قوية الحضور داخل المؤسسات.

كما يُعرف عنه احترامه لعلاقات الحوار والاختلاف، وهي عناصر ساهمت في بناء رصيد من التقدير تجاوز في مراحل عديدة حدود الانتماء الحزبي.

ويضاف إلى ذلك ما يُعرف عنه من نظافة اليد والاستقامة في مساره العام، وهي سمات أسهمت في ترسيخ صورة رجل الدولة الذي حافظ، عبر مختلف محطات مساره، على احترامه ومكانته لدى الفاعلين السياسيين.

كما أن شخصيته تحظى بتقدير واسع داخل حزب الأصالة والمعاصرة، ولا تقتصر مكانته على محيطه الحزبي، بل تمتد إلى مختلف مكونات المشهد السياسي الوطني، حيث يُنظر إليه باعتباره شخصية متزنة ورصينة وقادرة على الإنصات والحوار وإدارة الاختلاف.

ومن زاوية أخرى، فإن انتماء محمد الشيخ بيد الله إلى الصحراء المغربية يمنح سيناريو اختياره بعدا اضافيا.

فالأمر هنا لا يتعلق فقط بمنح تمثيلية جغرافية لمنطقة معينة، وإنما بالاستفادة من شخصية صحراوية وطنية راكمت تجربة طويلة داخل مؤسسات الدولة، وعاشت عن قرب مراحل متعددة من تطور ملف الصحراء.

وبذلك يمكن، في حال اختياره، الحديث عن تحقيق أكثر من هدف في آن واحد: الاستفادة من خبرة سياسية ومؤسساتية كبيرة، وإبراز الكفاءات الصحراوية في أعلى مستويات المسؤولية التنفيذية، وتقديم شخصية ذات معرفة عميقة بخصوصيات الأقاليم الصحراوية وقادرة على مخاطبة مختلف الفاعلين من موقع رجل دولة. إنه، بالمعنى السياسي، أشبه بضرب عصفورين بحجر واحد: الكفاءة المؤسساتية من جهة، والرمزية الصحراوية الوطنية من جهة أخرى.

ويكتسب اسم بيد الله ثقلا إضافيا من خلال علاقته الطويلة بملف الصحراء، وهي علاقة لا تقوم فقط على الانتماء الجغرافي، وإنما على تجربة مباشرة ومعرفة متراكمة بمختلف مراحل القضية.

فقد ارتبط اسمه بمرحلة تاريخية من هذا الملف، وكان من بين الشخصيات التي عاشت عن قرب بعض محطاته الأولى، كما واصل لاحقا حضوره في النقاش الوطني حول الصحراء والحكم الذاتي.

ومن هنا، فإن توليه رئاسة الحكومة، إذا أصبح خيارا مطروحا فعليا، قد يمنح المؤسسة التنفيذية شخصية تجمع بين التجربة الحكومية والخبرة السياسية والمعرفة المباشرة بالملف الذي يشكل إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية والوطنية للمملكة.

وهذه الخلفية قد تمنح حضوره أيضا صدى يتجاوز الداخل، بالنظر إلى معرفته بمختلف جوانب الملف وعلاقاته وخبرته المتراكمة.

لهذه الأسباب مجتمعة، تبدو إعادة طرح اسم الدكتور محمد الشيخ بيد الله في النقاش حول رئاسة الحكومة أكثر من مجرد عودة اسم سياسي إلى التداول، إنها عودة لسؤال أوسع حول نوعية الشخصية التي يمكن أن تقود المرحلة المقبلة.

فالحكومة القادمة لن تواجه فقط تحدي تدبير البرامج والملفات الاقتصادية والاجتماعية، وإنما ستحتاج كذلك إلى إدارة أغلبية متعددة، والتعامل مع معارضة قوية، ومواصلة تنزيل الأوراش الاستراتيجية الكبرى، والدفاع عن المصالح الوطنية في مرحلة تتزايد فيها الرهانات الجيوسياسية على المغرب وأقاليمه الجنوبية، وتنزيل مشروع الحكم الذاتي.

ومن هذه الزاوية، فإن محمد الشيخ بيد الله يقدم، لمن يطرحون اسمه، تركيبة نادرة تجمع بين الخبرة الحكومية والبرلمانية، والرزانة السياسية، والقبول الواسع، والخلفية الصحراوية، والمعرفة بملف الصحراء.

لذلك قد تكون «الرواية الأخرى» لمحمد الشيخ بيد الله هي أنه لا يعود إلى واجهة النقاش بحثا عن منصب، وإنما لأن المرحلة نفسها قد تعيد طرح الحاجة إلى رجل دولة بهذه المواصفات الشاملة والمتكاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *