حين كان «البام» في موقع الخصومة، كان خطاب نبيل بنعبد الله تجاهه شديد اللهجة، ووصل في 2016 إلى الحديث عن «التحكم». وبعد سنوات، يجلس الأمين العام للتقدم والاشتراكية مع قيادة الحزب نفسه في مشاورات تشكيل الحكومة، ويتحدث عن «نقاط التقاء» بين برنامجي الحزبين.

يكاد يكون نبيل بنعبد الله طوال سنوات جلوسه على كرسي الأمانة العامة لحزب التقدم والاشتراكية، أكثر السياسيين الذين يقولون الشيء ولا يجدون حرجا في إتيان نقيضه.

تاريخ بنعبد الله في هذا المضمار ، حافل بهكذا مواقف برغماتية أي نعم.. لكنه غير تقدمية بشكل مطلق..

في التقرير التالي نعود الى أرشيفنا في جريدة le12.ma، الإعادة تركيب قصة سياسة تحت عنوان: أرشيفنا وتلوناتهم . بنعبد الله وحكومة «البام» .. من نقد «التحكم» إلى البحث عن ظله ..

والبداية من هنا:

عبد الجبار العلمي

ثمة أشياء تتغير في السياسة بسرعة مذهلة: التحالفات، المواقع، الخطابات، وحتى تعريف الخصم والصديق.

لكن هناك شيئاً واحداً لا يتغير بالسرعة نفسها: الأرشيف.

وإذا كان من حق نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، أن يعيد ترتيب حساباته السياسية، ومن حق حزبه أن يبحث عن موقع داخل الحكومة المقبلة، فإن من حق الذاكرة السياسية أيضاً أن تستعيد ما قاله الرجل بالأمس، وما كتبته عنه الصحافة في مراحل سابقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بعلاقة حزبه بحزب الأصالة والمعاصرة.

واليوم، لا يتعلق الأمر بتكهنات بعيدة.

فـLe12.ma واكبت، في 30 شتنبر 2026، لقاء نبيل بنعبد الله بفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة، في إطار المشاورات الحكومية، ونقلت عن الأمين العام لـ«الكتاب» إقراره بوجود نقاط التقاء بين برنامجي التقدم والاشتراكية والأصالة والمعاصرة، مع إبقاء موقف حزبه من المشاركة مفتوحاً.

وبعد أيام قليلة، نشرت الجريدة أن بنعبد الله تحدث أمام اللجنة المركزية لحزبه عن «تجاوب كبير وتطابق عميق» مع المنصوري حول عدد من القضايا والأولويات، في ما بدا، وفق عنوان المادة، تمهيداً لقبول المشاركة في حكومة يقودها «البام».

هنا بالضبط تبدأ الحكاية.

ليس لأن التحالف مع «البام» ممنوع سياسياً، ولا لأن التقدم والاشتراكية ملزم بالبقاء في المعارضة إلى الأبد، وإنما لأن هذا التقارب الجديد يضع خطاباً سياسياً قديماً أمام اختبار الزمن.

عندما كان «البام» عنواناً للخصومة

في 2016، كانت المسافة بين بنعبد الله و«البام» مختلفة تماماً.

أرشيف Le12 يحتفظ بنص طويل نشرته الجريدة سنة 2019، استعاد فيه تصريحات بنعبد الله التي أدلى بها في 13 شتنبر 2016، عشية الانتخابات التشريعية.

قال الرجل يومها إن مشكلة حزبه ليست مع الأصالة والمعاصرة كحزب، وإنما مع من يوجد وراءه، محدداً المقصود بمؤسس الحزب، ومستخدماً مفردة «التحكم» لوصفه.

ولم تمر تلك التصريحات كأي تصريح انتخابي عابر.

فالبلاغ الذي صدر عن الديوان الملكي آنذاك اعتبر التصريحات وسيلة للتضليل السياسي، وانتقد إطلاق تصريحات اعتبرها بلا أساس، واستعمال مفاهيم تمس بمصداقية المؤسسات في سياق انتخابي. وهي الواقعة التي ظلت حاضرة في أرشيف Le12 كلما عاد النقاش حول المسار السياسي لبنعبد الله.

كان ذلك بنعبد الله في مواجهة «البام».

أما بنعبد الله اليوم، فهو يجلس مع قيادة «البام» نفسها لمناقشة البرنامج الحكومي وموقع حزبه في الأغلبية.

السياسة، بطبيعة الحال، تسمح بذلك.

لكن السؤال الصحفي المشروع هو: ماذا حدث بين الصورتين؟.

من «التحكم» إلى «نقط الالتقاء».

المفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

في الصورة الأولى، كان «البام» موضوعاً لخطاب سياسي حاد، وكان «التحكم» إحدى المفردات المركزية في توصيف العلاقة بالحزب ومؤسسه.

وفي الصورة الثانية، أصبح الحزب نفسه شريكاً محتملاً في حكومة يتفاوض معها حزب التقدم والاشتراكية.

بل إن بنعبد الله نفسه تحدث، بحسب ما نقلته Le12، عن وجود نقاط التقاء بين برنامجي الحزبين، ثم عاد لاحقاً ليتحدث عن «تجاوب كبير وتطابق عميق» مع رئيسة الحكومة المعينة.

لا مشكلة في أن تتغير المواقف.

بل إن تغيير الموقف، حين تفرضه التحولات السياسية، قد يكون جزءاً طبيعياً من العمل الحزبي.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتغير الموقع أسرع من قدرة الخطاب القديم على مغادرة الذاكرة.

فالعبارات التي قيلت في الانتخابات لا تموت بانتهاء الانتخابات.

والخصومات التي صنعتها المعارك الانتخابية لا تختفي بمجرد أن تفتح أبواب التفاوض حول الحقائب الوزارية.

بين الصورتين.. «الحسيمة منارة المتوسط»

ثم هناك محطة أخرى حاضرة بقوة في أرشيف Le12.

ففي أكتوبر 2017، انتهت تجربة بنعبد الله الحكومية بإعفائه من منصبه على خلفية الاختلالات التي سجلها تقرير المجلس الأعلى للحسابات بشأن مشروع «الحسيمة منارة المتوسط».

وقد عادت Le12 نفسها، في مقال حول حصيلة سياسات السكن، إلى التذكير بأن إعفاءه في 24 أكتوبر 2017 جاء بعد صدور تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول المشروع.

وفي أرشيف الجريدة أيضاً، جرى ربط هذه المحطة بمسار بنعبد الله الحكومي، باعتبارها واحدة من أكثر الوقائع تأثيراً في صورته السياسية.

وبالتالي، فإن الرجل الذي يناقش اليوم العودة إلى الحكومة لا يدخل هذا النقاش من خارج التاريخ.

يدخله ومعه تجربة وزارية سابقة، ومواقف سياسية حادة، وبلاغ رسمي شهير، ثم قرار إعفاء ظل حاضراً في السجال حول مساره.

والأكثر دلالة.. ماذا قال بنعبد الله نفسه؟

المفارقة تصبح أكثر وضوحاً عندما نستعيد موقفاً آخر وثقته Le12.

في شتنبر 2026، وبعد نتائج الانتخابات، نقلت الجريدة عن بنعبد الله موقفاً بدا في حينه رافضاً للمشاركة في تحالف حكومي يقوده «البام».

والعبارة التي نشرتها Le12 كانت واضحة:

«المسألة متعلقة بالمصداقية، لايمكن أن تكون في طليعة مع عارض الحكومة السابقة طوال خمس سنوات، وتأتي لتشارك في حكومة يقودها أحد أبرز مكونتها».

هنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً.

لأن المسألة لم تعد فقط تتعلق بما قاله بنعبد الله سنة 2016 عن «البام».

بل بما قاله هو نفسه، بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، بشأن صعوبة الانتقال من موقع معارضة الحكومة السابقة إلى المشاركة في حكومة يقودها أحد أبرز مكوناتها.

ثم ماذا حدث؟

بعد أقل من أسبوع، جلس بنعبد الله مع فاطمة الزهراء المنصوري.

وبعد اللقاء تحدث عن نقاط الالتقاء.

ثم تحدث لاحقاً عن «تجاوب كبير وتطابق عميق».

وهكذا انتقلت المسألة من سؤال هل يمكن؟ إلى سؤال كيف؟.

ليست المشكلة في التحالف.. بل في الذاكرة

من السهل اختزال القصة في عبارة ساخرة: الرجل الذي انتقد «البام» يريد اليوم دخول حكومة يقودها «البام».

لكن السياسة أكثر تعقيداً من ذلك.

فالأحزاب لا تعيش على خصوماتها إلى الأبد، والبرامج يمكن أن تخلق تحالفات جديدة، والانتخابات تعيد توزيع المواقع، والسياسي الذي كان في المعارضة قد يجد نفسه غداً داخل الحكومة.

المسألة إذن ليست محاكمة بنعبد الله على تغيير موقفه.

المسألة هي المصداقية السياسية للخطاب.

حين كان حزب التقدم والاشتراكية في المعارضة، كان بنعبد الله يقول إن المشاركة مع مكونات الحكومة السابقة تطرح مشكلة في المصداقية.

واليوم، وفق ما وثقته Le12، توجد داخل الحزب نفسه مؤشرات قوية على الانتقال من المعارضة إلى التفاوض حول المشاركة.

وهنا تصبح الكرة في ملعب «الكتاب».

فإذا اختار المشاركة، سيكون عليه أن يشرح لقواعده وللرأي العام لماذا تغيرت الظروف التي جعلت المشاركة مع «البام» بالأمس مسألة مرتبطة بـ«المصداقية»، وأصبحت اليوم احتمالاً سياسياً قابلاً للنقاش.

وإذا اختار المعارضة، فسيكون عليه أن يشرح أيضاً كيف يقرأ نقاط الالتقاء والتطابق التي تحدث عنها أمينه العام خلال المشاورات.

في الحالتين، السياسة مطالبة بتفسير نفسها.

من «البام» الخصم إلى «البام» الشريك

في 2020، كان أرشيف Le12 يوثق مشهداً آخر.

نشرت الجريدة خبراً عن اجتماع جمع قيادتي الاستقلال والتقدم والاشتراكية، من دون دعوة «البام»، وأشارت إلى أن اللقاء جاء في سياق سياسي كانت فيه العلاقة مع حزب «التراكتور» لا تزال محكومة بمسافة واضحة.

وبعد سنوات قليلة، تغيرت الصورة جذرياً.

«البام» لم يعد فقط حزباً ينافس عليه التقدم والاشتراكية أو ينتقده.

أصبح الحزب الذي يجلس معه «الكتاب» للتفاوض حول البرنامج الحكومي.

وهذه ليست بالضرورة علامة على تناقض سياسي.

قد تكون علامة على أن السياسة نفسها تغيرت.

لكنها، في الوقت ذاته، تكشف شيئاً آخر: كم هو قصير عمر الخصومات السياسية، وكم هو طويل عمر أرشيفها.

ماذا تبقى من السخرية السياسية؟

ربما لا ينبغي أن يكون السؤال: هل خان بنعبد الله ماضيه؟.

فهذا حكم سياسي لا يمكن أن يحسمه مقال.

السؤال الأهم هو: هل تستطيع الأحزاب أن تشرح للرأي العام انتقالاتها السياسية بلغة تتجاوز منطق الضرورة الانتخابية؟

في حالة بنعبد الله، الأرشيف يقدم مادة كافية للمقارنة.

رجل واجه «البام» بخطاب «التحكم».

ثم خرج من الحكومة بعد محطة «الحسيمة منارة المتوسط».

ثم أمضى سنوات في المعارضة.

ثم، بعد انتخابات 2026، وجد نفسه يجلس إلى طاولة المشاورات مع قيادة «البام».

وفي ظرف أيام، انتقلت اللغة من التحفظ على المشاركة إلى الحديث عن نقاط الالتقاء، ثم إلى «التجاوب الكبير والتطابق العميق».

هذه ليست إدانة.

إنها ببساطة صورة سياسية تستحق أن تُقرأ.

فالسياسي يستطيع أن يغير موقفه.

والحزب يستطيع أن يعيد بناء تحالفاته.

والخصم يمكن أن يصبح شريكاً.

لكن هناك شيئاً لا يستطيع أي تحالف سياسي أن يعيد تشكيله بسهولة:

ما قاله السياسيون عندما كانوا في مواقع مختلفة.

ولهذا، إذا دخل نبيل بنعبد الله حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فلن تكون المفارقة في مجرد جلوس رجل «التحكم» السابق إلى جانب قيادة «البام».

المفارقة الأعمق ستكون في أن السياسة المغربية أعادت، خلال سنوات قليلة، ترتيب الكلمات نفسها:

كان «البام» خصماً..

ثم أصبح منافساً..

ثم أصبح شريكاً محتملاً..

أما «التحكم»، المزعوم الذي كان ذات يوم عنواناً لمعركة سياسية كبرى، بين نبيل بنعبد الله وحزب «البام» فسيبقى في مكانه القديم..أي في الأرشيف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *