إن آخر ما يوجه الناخب في عملية التصويت هو البرنامج الانتخابي، فثقافة المشروع الحزبي ما تزال بعيدة عن أن تكون هي المعيار في اختيار من يمثل المواطن بمجلس النواب. والناخب يعتمد أساسا على المرشح ومعرفته به ومدى قربه منه.
جمال بورفيسي/Le12.ma
تمكن حزب التجمع الوطني للأحرار من تحقيق الفرادة والتميز ضمن المشهد الحزبي الوطني، من خلال اهتمامه المتزايد بالبرنامج الانتخابي، وتطويره لفكرة المشروع الحزبي، وهو ما تجسد في الهوية السياسية والاجتماعية والاقتصادية الواضحة التي استطاع أن يصوغها الحزب، والمتمثلة في الشعار الكبير الذي تبناه وبدأ في تنفيذه حول الدولة الاجتماعية.
فالحزب تمكن من صياغة مشروع واضح الملامح، بدأ في تطبيقه خلال رئاسته للحكومة الحالية، وسيواصل استكمال مشروعه خلال الولاية المقبلة. لأنه منح للناخب رؤية واضحة حول برنامجه ومشروعه السياسي. ويسعى، اليوم، انطلاقا من السياق الانتخابي الحالي إلى مواصلة الجهد في تنفيد هذا المشروع المتكامل.
ولا يجد الناخب والمواطن أية صعوبة في تتبع خيوط البرنامج الانتخابي للتجمع الوطني للأحرار، واتخاذه منطلقا للتصويت عليه، لأنه يعتبر امتدادا للمشروع الدي تبناه الحزب وبدأ في تنزيله ودافع عنه..
لكن يبدو أن ” الأحرار” يشكل استثناء ضمن مشهد جزبي لا يتعامل بالجدية والمسؤولية مع مسألة البرنامج ولا مع المشروع السياسي.. ما يجعل المواطن يصرف نظره عن البرنامج ويعتمد في عملية التصويت واختيار المشروع الذي يوافقه بناء على علاقاته الشخصية بالمرشح.
وفي الوقت الذي يعتمد الناخب في الدول العريقة في الديمقراطية على البرامج الانتخابية للتصويت، يواصل السلوك الانتخابي للمواطن المغربي الاعتماد أساسا على قربه من المرشح. ولا تلعب البرامج الانتخابية أي دور حاسم في عملية التصويت.
ورغم انتشار الوعي السياسي لدى فئات عريضة من المواطنين، فإن الولاءات القبلية والعلاقات الشخصية تلعب دورا حاسما في اختيارات الناخب.
التحول الإيجابي الذي تعيشه الأحزاب، بالأخص التجمع الوطني للأحرار، على مستوى إعداد برامج انتخابية مدروسة ومهيكلة، ويتم تقديمها بمهنية عالية، لم يواكبه، مع الأسف، تحول في الذهنيات، إذ أن التصويت ما يزال يخضع للمنطق الجماعي، ولا سيما القبلي.
يعتمد التصويت عملياً وبشكل كبير على الأشخاص والعلاقات العائلية والمحلية، رغم أن القوانين والأنظمة الانتخابية صُممت أساساً للاختيار بناءً على الأحزاب وبرامجها.
لقد أصبح تقديم البرامج الانتخابية عرفا انتخابيا تحافظ عليه الأحزاب مع حلول كل موعد انتخابي، إلا أن الناخب، في أغلب الأخيان لا يتأطر بمضامن هذه البرامج، ولا يعتمد عليها في النصويت.
وتبقى العلاقات الشخصية هي المؤشر الأساسي في التصويت.
إن “البرامج الانتخابية” لعدد من الهيآت السياسية لا ترقى إلى مستوى برامج جقيقية بهوية ورؤية واضحة، إذ تقتصر على الإجراءات المرقمة.
و يتطلب استيعابها وقتا وجهدا قد لا يتوفر عليه الناخب، ولا يمكن لهذا الأخير أن يقرأ كل “البرامج الانتخابية” حتى تكون له رؤية واضحة حول البرنامج الذي يقنعه أكثر، أو الحزب الذي يحس أنه الأكثر قربا منه، خاصة في ظل وجود 27 حزبا أعلنت مشاركتها في الانتخابات المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026.
إن هذا الواقع يعكس طبيعة العلاقة التقليدية التي ما تزال تربط قاعدة عريضة من المواطنين بالممارسة السياسية، حيث يلعب المنتخب في بعض الأحيان دور الوسيط الاجتماعي، أكثر منه فاعلاً سياسياً يحمل مشروعاً تنموياً واضحاً.
والمحصلة أن التواصل الشخصي مع المرشح ومعرفته يعتبر حاسما في مسألة الاختيار.
