مظاهر الانحراف والعربدة أو حمل أسلحة بيضاء، تقوض الإحساس بالأمن الذي عملت المديرية العامة للأمن الوطني، عبر سنوات، على ترسيخه من خلال مقاربة ميدانية متواصلة لحماية الأرواح والممتلكات. وحماية هذا الرصيد الأمني اليوم لا تقل أهمية عن بنائه بالأمس.
عادل الشاوي
ليست المدينة طرقات واسعة، ولا مباني تعانق الأفق، ولا ملاعب تستعد لاستقبال العالم. المدينة، قبل كل شيء، هي ذلك الشعور الهادئ الذي يعود به الإنسان إلى بيته مطمئنا، وينام فيه الطفل دون أن يوقظه “تحياح” أو عربدة، وتفتح فيه الأسرة نوافذها على شارع يمنحها الأمان لا القلق.
والدار البيضاء، وهي تستعد لاستحقاقات رياضية عالمية، في مقدمتها كأس العالم 2030، وتسوق نفسها بوابة للاستثمار والسياحة، مطالبة اليوم بأكثر من تحديث بنيتها التحتية.
فالرهان الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات المعبدة، ولا بحجم المشاريع المنجزة، بل بقدرة المدينة على أن تجعل سكانها يشعرون بأنهم آمنون في شوارعها، ليلا كما نهارا.
ومن هذا المنطلق، لا يقل الاستثمار في الأرصفة الآمنة، وفي الليل الهادئ، وفي احترام القانون، أهمية عن الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى. فالبنية التحتية تبني مدينة، أما سيادة القانون فتبني مجتمعا.
وحين تفقد أسر، في عدد من أحياء العاصمة الاقتصادية، شعورها بالأمان بعد غروب الشمس، فإن ذلك يعني أن المدينة لم تستكمل بعد أحد أهم شروط التنمية، مهما بلغت قيمة استثماراتها ومهما تعددت مشاريعها.
واستعادة الفضاء العام ليست حربا على الشباب، ولا مواجهة مع الفئات الهشة، ولا سعيا إلى إفراغ الشوارع من الحياة. إنها، في جوهرها، معركة من أجل سيادة القانون، وإعادة التوازن بين حرية الفرد وحق المجتمع، وبين استعمال الفضاء العام والاستيلاء عليه. فالشارع ملك للجميع، لكنه لا يجوز أن يتحول إلى فضاء يفرض فيه الجانحون حضورهم، بينما يدفع المواطن البسيط إلى الانسحاب منه.
من هنا تنبع أهمية إثارة هذه الظاهرة، بعدما بدأ جزء من الفضاء العام، في بعض الأحياء، يفقد وظيفته الطبيعية.
ففي عدد من المناطق، ومنها أحياء تابعة لمقاطعة أنفا، مثل المعاريف، لم تعد الأرصفة مجرد ممرات للمارة، بل تحولت، مع حلول الليل، إلى أماكن تحتلها تجمعات صاخبة، فيما أصبحت بعض الساحات والمرافق العمومية، بحسب شكاوى متكررة من السكان، فضاءات تستغل في تعاطي المخدرات والأقراص المهلوسة واستهلاك المشروبات الكحولية، بل وحتى المخدرات شديدة الخطورة مثل “البوفا”.
ولا يتعلق الأمر فقط بما يسمعه السكان، بل أيضا بما يرونه كل ليلة. فحين تجد الأسر نفسها مضطرة إلى تجنب شوارع بعينها، رغم أنها تضم محلات اعتادت ارتيادها، أو تحرص على إبعاد أطفالها عن مشاهد الانحراف التي أصبحت تتكرر أمام أعينهم، فإن الأمر لم يعد مجرد إزعاج عابر، بل تحول إلى خلل يمس وظيفة المدينة نفسها.
وهنا يفرض سؤال نفسه “لمن ينتمي الفضاء العام؟ للمواطن الذي يسعى إلى حياة طبيعية، أم لمن يفرض وجوده بالضجيج والعربدة ومنطق السلاح الأبيض؟”.
قد يخفت الضجيج مع طلوع الشمس، لكن آثاره لا تغادر المكان. فهي تبقى في ذاكرة الأطفال، وتستنزف أعصاب الأسر، وتزرع شعورا دائما بعدم الاطمئنان. كما أن تكرار مشاهد تعاطي المخدرات، بما فيها الأنواع شديدة الخطورة، وما قد يرافقها أحيانا من مظاهر عنف أو حمل أسلحة بيضاء، يقوض الإحساس بالأمن الذي عملت المديرية العامة للأمن الوطني، عبر سنوات، على ترسيخه من خلال مقاربة ميدانية متواصلة لحماية الأرواح والممتلكات. وحماية هذا الرصيد الأمني اليوم لا تقل أهمية عن بنائه بالأمس.
وعندما تصل أحياء في الدار البيضاء إلى هذه المرحلة، لا تعود الخسارة اجتماعية فقط، بل تصبح اقتصادية أيضا. فالحي الذي يفقد سكينته يفقد تدريجيا جاذبيته. تنكمش الحركة التجارية، وتتراجع قيمة العقارات، ويتردد المستثمر الصغير قبل افتتاح مشروعه، بينما تفقد المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية جزءا من زبنائها، وتجد بعض الفضاءات نفسها أمام خسائر متراكمة بسبب عزوف المواطنين عن ارتيادها ليلا.
فالاقتصاد لا يزدهر في الشوارع التي يغادرها الناس مع حلول الليل، وهكذا يتحول انعدام الأمن من هاجس اجتماعي إلى كلفة اقتصادية صامتة تؤديها المدينة وسكانها ومستثمروها.
ثم إن الاستثمار لا يقرأ دفاتر التحملات وحدها، بل يقرأ أيضا مؤشرات الأمن، واستقرار الأحياء، وجودة العيش. والسائح الذي يزور مدينة لا يحتفظ في ذاكرته بصورة الإسمنت فقط، بل يحتفظ أيضا بصورة شوارعها ليلا، وبطريقة عيش سكانها، وبإحساسه بالأمان وهو يتجول فيها. لذلك، فإن جودة العيش ليست ترفا حضريا، بل أحد أهم عناصر التنافسية الاقتصادية للمدن.
ولعل أخطر ما تفرزه هذه الظاهرة ليس الضوضاء في حد ذاتها، ولا حتى السلوك المنحرف، بل ذلك الشعور الجماعي بالاستسلام. حين يتوقف السكان عن الاحتجاج، لا لأن المشكلة انتهت، بل لأنهم فقدوا الثقة في جدوى الاعتراض، أو خشوا أن يتحول طلبهم للهدوء إلى مواجهة غير محسوبة. عندها يصبح الصمت وسيلة للتعايش مع وضع غير طبيعي، ويبدأ الفضاء العام في الانسحاب من أصحابه الحقيقيين.
والمقلق أكثر أن يتحول هذا المشهد إلى أمر مألوف. فحين يعتاد المجتمع الفوضى، ويتوقف عن اعتبارها استثناء، تبدأ المدينة في فقدان جزء من مناعتها. أخطر ما يمكن أن يحدث ليس انتشار مظاهر العربدة والانحراف، بل الاعتياد عليها، لأنها تتحول عندئذ من تجاوز إلى أمر واقع، ومن سلوك معزول إلى ثقافة صامتة.
والمدينة التي ينسحب المواطن من بعض أحيائها ليلا، تاركا الشارع لمن يفرض حضوره بسلوكات ترتقى إلى أفعال إجرامية، لا تخسر جزءا من أمنها فحسب، بل تخسر أيضا جزءا من هويتها.
إن رهان استعادة الفضاء العام باعتباره حقا جماعيا لا يجوز التنازل عنه، وترسيخ قناعة مفادها أن المدينة التي تحمي راحة سكانها هي وحدها القادرة على حماية صورتها، وجذب الاستثمار، واستقبال العالم بثقة.
فالليل، كما النهار، ينبغي أن يبقى زمنا للحياة، لا موعدا يوميا لوأدها والتنازل عن أبسط الحقوق.
