في جهة الشرق، لا يبدو غياب عبد النبي بعيوي عن انتخابات 2026 مجرد غياب اسم ثقيل من لائحة المرشحين.
فالرجل الذي دخل المشهد الانتخابي من بوابة حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2011، قبل أن يصل، بعد أربع سنوات فقط، إلى رئاسة جهة الشرق، ظل لأكثر من عقد واحد من أبرز الوجوه التي ارتبط بها حضور “البام” في هذه المنطقة.
اليوم، تغيرت الصورة بالكامل.
في يونيو الماضي، قضت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء بإدانة بعيوي بـ12 سنة سجنا نافذا في قضية “إسكوبار الصحراء”، في حكم وضع حدا لمسار سياسي طويل، لم يكن بعيوي وحده أحد عناوينه، بل شمل أيضا رفيقه في الحزب سعيد الناصيري، الرئيس السابق لمجلس عمالة الدار البيضاء والرئيس السابق للوداد الرياضي، الذي أدين في الملف نفسه بـ10 سنوات سجنا نافذا
لكن السؤال السياسي الذي تفرضه انتخابات 23 شتنبر لا يتعلق ببعيوي كشخص فقط، وإنما بما إذا كان “البام” قد نجح في تعويض الدور الذي كان يؤديه هذا الرجل داخل الخريطة الانتخابية والسياسية لجهة الشرق.
ولعل دائرة وجدة-أنجاد تقدم الاختبار الأكثر وضوحا. فهذه الدائرة التي تمنح أربعة مقاعد برلمانية تدخل الاستحقاقات المقبلة على إيقاع منافسة قوية، وسط عودة أسماء راكمت تجربة انتخابية وبرلمانية، إلى جانب وجوه جديدة تسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوى بعاصمة الشرق.
قبل 5 سنوات، كان “البام” تصدر نتائج الدائرة في استحقاقات 2021 بحصول لائحته على 21.979 صوتا وانتزاع مقعد واحد، متقدما على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 19.678 صوتا.
وحل الاستقلال ثالثاً والاتحاد الاشتراكي رابعا، ليتقاسم الحزبان المقاعد الأربعة المتاحة وفق النتائج التي أفرزتها الانتخابات آنذاك.
لكن “البام” يدخل هذه المرة بعبد القادر حظوري، وليس ببعيوي. وهنا تحديدا تبدأ المسألة، ويطرح السؤال الأبرز؟
هل يستطيع الحزب تحويل الرصيد الانتخابي الذي راكمه خلال السنوات الماضية إلى رصيد قابل لإعادة الإنتاج، من دون الاسم الذي ظل لسنوات واحداً من أبرز عناوينه في جهة الشرق؟.
الجواب لا يمكن استخراجه من نتائج 2021 وحدها، لأن الانتخابات التشريعية لا تجرى في الفراغ نفسه، والمرشحون والتحالفات والظروف السياسية تتغير من استحقاق إلى آخر.
لكن الفارق بين المشهدين يكشف أن “البام” يخوض اختبارا مختلفا، اختبار قدرته على الفصل بين قوة التنظيم وقوة الأشخاص.
حين يصبح الحزب أكبر من مرشحه.. أو العكس
بعيوي لم يكن مجرد اسم يظهر على ورقة الاقتراع.
فمساره داخل “البام” جعله جزءا من هندسة المشهد الجهوي نفسه.
من البرلمان إلى رئاسة الجهة، ثم إلى عضوية المكتب السياسي، فضلا عن عضويته في اللجنة الوطنية للانتخابات داخل الحزب.
ولهذا، فإن غيابه يفتح نقاشا يتجاوز مقعدا برلمانيا واحدا، ليمتد إلى ما إثارة تساؤل أعمق حول ما إذا استطاع “البام”، خلال السنوات الماضية، بناء قواعد انتخابية ومؤسساتية قادرة على العمل بعيدا عن نفوذ الوجوه القوية؟ أم أن جزءا من قوته كان مرتبطا بقدرة بعض القيادات على تجميع الأصوات والتحالفات وشبكات الدعم؟.
وهنا تحديدا تكمن حساسية الشرق.
فالانتخابات في الدوائر المحلية لا تحسم دائما بالاسم الحزبي وحده، بل تتداخل فيها المكانة الشخصية، والعلاقات الانتخابية، والامتداد الترابي، وتجربة المرشح، وقدرته على تحويل الحضور السياسي إلى أصوات يوم الاقتراع.
وبالتالي، فإن ترشيح عبد القادر حظوري لا يمثل فقط محاولة للحفاظ على مقعد “البام” في وجدة-أنجاد، بل يمكن قراءته أيضا باعتباره اختبارا لمدى قدرة الحزب على الانتقال من مرحلة كان فيها بعيوي أحد أبرز وجوهه الانتخابية، إلى مرحلة جديدة تبحث فيها المؤسسة الحزبية عن وجوه قادرة على حمل القميص نفسه أمام الناخبين.
الإرث الانتخابي لا يسلم من شخص إلى آخر
المشكلة أن الإرث الانتخابي ليس ملكية تسلم من شخص إلى آخر.
الأصوات التي حصل عليها “البام” في 2021، والبالغة 21.979 صوتا في وجدة-أنجاد، ليست بالضرورة أصواتا شخصية لبعيوي، كما أن غيابه لا يعني آليا انتقال تلك الأصوات إلى منافسي الحزب.
لكن، في المقابل، لا يمكن أيضا تجاهل أن غياب شخصية سياسية راكمت حضورا طويلا في المنطقة يغير شروط المنافسة.
ففي الجهة نفسها، يتحرك الاستقلال بعمر حجيرة، الذي عاد إلى السباق الانتخابي من موقع كاتب دولة، بينما يخوض عمر أعنان المنافسة باسم الاتحاد الاشتراكي من موقع برلماني منتهية ولايته.
أما التجمع الوطني للأحرار، فيراهن على محمد قايدي، رجل الأعمال ونائب رئيس مجموعات الجماعات الترابية بجهة الشرق والمنسق الإقليمي للحزب بوجدة.
بمعنى آخر، لا يدخل “البام” إلى وجدة-أنجاد في مواجهة فراغ انتخابي، وإنما أمام أسماء لها مواقع وتجارب وشبكات حضور خاصة بها.
من “رجل الجهة” إلى اختبار المؤسسة
لذلك، فإن غياب بعيوي يضع “البام” أمام اختبار مزدوج.
أولا، اختبار انتخابي يتجسد في مدى استطاعة الحزب الاحتفاظ بالمقعد الذي انتزعه في 2021، في دائرة تصدر نتائجها قبل خمس سنوات؟
وثانيا، اختبار تنظيمي، يهم قدرة الحزب على إثبات أن حضوره في جهة الشرق قائم على مؤسسة حزبية وشبكة منتخبة وقواعد انتخابية، وليس على قوة أسماء بعينها؟
ويصبح هذا الاختبار أكثر وضوحا إذا استحضر حجم الموقع الذي بلغه بعيوي داخل الجهة.
ففي 2015، انتخب رئيسا لمجلس جهة الشرق بـ32 صوتا مقابل 18 لمنافسه، قبل أن يعاد انتخابه سنة 2021 بأغلبية بلغت 49 صوتا.
وبين الرقمين، تتضح المسافة التي قطعها الرجل داخل الخريطة السياسية للشرق.
لكن انتخابات 2026 تطرح معادلة مختلفة: ماذا يبقى من القوة الانتخابية عندما يغيب صاحبها؟.
لذلك، ربما يكون السؤال الأدق ليس، هل سيؤثر غياب بعيوي على “البام” في الشرق؟
بل، هل كان “البام” قد بنى في الشرق قوة انتخابية قادرة على الاستمرار بعد بعيوي؟.
الانتخابات التشريعية المقبلة ستقدم جزءا من الجواب، خصوصا في وجدة-أنجاد، حيث لا يدافع الحزب فقط عن مقعد برلماني، وإنما عن رصيد انتخابي تصدر به نتائج الدائرة في 2021.
وإذا كان بعيوي قد صنع خلال سنوات طويلة جزءا من صورة “البام” في الشرق، فإن غيابه يضع الحزب أمام لحظة انتقال واضحة، انتقال من مرحلة ارتبط فيها الحضور بشخصية انتخابية وازنة، إلى مرحلة يفترض فيها أن تتكلم المؤسسة الحزبية، والمرشح الجديد، والقواعد الانتخابية، بأصواتها الخاصة.
وهناك فقط يمكن قياس حجم الفراغ الذي تركه بعيوي: ليس بما يقال عنه، وإنما بما ستقوله صناديق الاقتراع عن “البام” من دون اسمه.
عادل الشاوي/ Le12.ma
