انتهت دراسة جديدة للدكتور والصحفي يونس مجاهد، خريج جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إلى أن تجربة المجلس الوطني للصحافة بالمغرب تعاني من اختلالات ذات طبيعة بنيوية، مرتبطة أساسا بخلط بين نموذج التنظيم الذاتي للصحافة ونموذج الهيئات المنظمة للمهن الحرة.
الرباط / جريدة Le12.ma
أوضحت الدراسة، المنشورة في مجلة علمية محمكة :«فيض للعلوم الاجتماعية» تحت عنوان «المجلس الوطني للصحافة: بين التنظيم الذاتي ونظام هيئات المهن الحرة»، أن الإشكالات التي تواجه المجلس لا تقتصر على الجوانب الإجرائية، وإنما تعكس، وفق الباحث، «تصادما بنيويا بين نموذجين غير متوافقين».
وتنطلق الدراسة من مقاربة سوسيولوجية وقانونية مقارنة لتجربة التنظيم الذاتي للمهنة، مستندة، من بين مرجعياتها، إلى أعمال عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بشأن الحقل الصحافي، لتؤكد أن طبيعة العمل الصحافي تختلف عن طبيعة المهن الحرة، اعتبارا لكون الصحافي يعمل، في الغالب، في إطار علاقة شغل داخل مؤسسة إعلامية.
ويرى الدكتور مجاهد، أن هذه الخصوصية تجعل إسقاط نموذج الهيئات المهنية المغلقة، كما هو معمول به في بعض المهن الحرة، على قطاع الصحافة أمرا يطرح إشكالات على مستوى طبيعة الولوج إلى المهنة وتنظيمها.
وتعتبر الدراسة أن الإشكال الأساسي يتجلى في الجمع داخل المجلس الوطني للصحافة بين صلاحيات ذات طابع إداري، من قبيل تنظيم وضبط الولوج إلى المهنة وإسناد بطاقة الصحافة، وبين وظيفة التنظيم الذاتي المرتبطة أساسا بأخلاقيات المهنة واحترام قواعد السلوك الصحافي.
وبحسب الرئيس السابق للمجلس الوطني للصحافة، أدى هذا الجمع إلى بروز البعد الإداري، ولا سيما في ما يتعلق بإشكالات بطاقة الصحافة والولوج إلى المهنة، على حساب الوظيفة الأخلاقية والتنظيمية التي يفترض أن تشكل جوهر التنظيم الذاتي للصحافة.
وفي سياق مقارن، استعرضت الدراسة عددا من التجارب الدولية، من بينها كندا وفرنسا وبلجيكا وأستراليا وتونس، مبرزة اختلاف آليات تنظيم الصحافة من بلد إلى آخر، مع تسجيل اعتماد عدد من التجارب على التوافق والانتداب بين المنظمات المهنية وممثلي الجمهور بدل بناء مجالس الصحافة على منطق المنافسة الانتخابية المهنية.
كما تشير الدراسة إلى أن مجالس الصحافة في عدد من التجارب المقارنة لا تضطلع، بحسب النموذج الذي استند إليه الخبير في المهنة، بصلاحيات تؤدي إلى منع ممارسة الصحافة أو سحب الحق في مزاولة المهنة، بالنظر إلى الصلة المباشرة بين حرية الصحافة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
وترى الدراسة أن طريقة تشكيل المجلس الوطني للصحافة بدورها تعكس هذا الإشكال، إذ تجمع بين انتخاب جزء من أعضائه من قبل المهنيين وانتداب أعضاء آخرين من قبل هيئات مختلفة، في حين تعتمد تجارب مقارنة، بحسب الباحث، آليات تقوم بصورة أكبر على التوافق بين المنظمات المهنية وإشراك ممثلي الجمهور، وأحيانا ممثلين عن السلطة القضائية.
وفي ما يتعلق بالإطار الدستوري، تستحضر الدراسة مقتضيات الفصل 28 من دستور 2011، الذي ينص على أن السلطات العمومية تشجع على تنظيم قطاع الصحافة بشكل مستقل وعلى أسس ديمقراطية.
وترى الدراسة أن هذا المقتضى يطرح، من منظورها، سؤال مدى انسجام الإطار القانوني المنظم للمجلس مع مفهوم التنظيم الذاتي المستقل، القائم على المبادرة والتوافق بين المهنيين ومختلف الفاعلين في القطاع.
وخلص الدكتور مجاهد، إلى أن معالجة الاختلالات التي يعرفها النموذج المغربي تقتضي مراجعة تشريعية شاملة تعيد تحديد طبيعة المجلس ووظائفه، وتفصل بشكل أوضح بين منطق تنظيم المهن الحرة ومنطق التنظيم الذاتي للصحافة.
وتقترح الدراسة إعادة توجيه وظيفة المجلس نحو صيانة أخلاقيات المهنة، وحماية حرية الصحافة، وتعزيز ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، مع اعتماد نموذج أكثر انسجاما مع خصوصية العمل الصحافي ومع المبادئ التي تقوم عليها مجالس الصحافة في عدد من التجارب الدولية.
وأكدت الدراسة، في خلاصة بحثها، أن استمرار الجمع بين آليات تنظيم الولوج إلى المهنة وبين مهام التنظيم الذاتي الأخلاقي أفضى إلى هيئة «هجينة» لم تستوف، وفق تقييم الدكتور مجاهد، شروط مجالس الأخلاقيات كما هي متعارف عليها في عدد من التجارب الدولية، كما لم تنسجم بشكل كامل مع شروط الهيئات المنظمة للمهن الحرة.
ودعت الدراسة إلى إعادة النظر في الأسس القانونية والمؤسساتية للمجلس الوطني للصحافة بما يضمن وضوح اختصاصاته واستقلاليته، ويعيد الاعتبار إلى الوظيفة الأساسية للتنظيم الذاتي، والمتمثلة في حماية أخلاقيات المهنة وحرية الصحافة وخدمة حق الجمهور في إعلام مهني وموثوق.
