في كرة القدم، لا تحكي النتيجة دائما القصة كاملة، لكن الأرقام تفعل ذلك. ومباراة المغرب وهولندا خير دليل على ذلك. فرغم أن بطاقة التأهل حسمت بركلات الترجيح، فإن الإحصائيات تكشف أن “أسود الأطلس” كانوا الأكثر قدرة على التحكم في إيقاع المباراة، والأكثر انضباطا دفاعيا، والأقرب إلى فرض أسلوبهم على منافس اعتاد الاستحواذ وصناعة اللعب.

وتؤكد معطيات “أوبتا” أن المنتخب المغربي لم يصل إلى الدور ثمن النهائي بفضل لحظة حظ في ركلات الترجيح، بل نتيجة أداء جماعي متوازن امتد على مدار 120 دقيقة.

ففي الوقت الأصلي، أكمل اللاعبون 597 تمريرة، وسددوا 10 كرات، أربع منها بين الخشبات الثلاث، مع تنفيذ سبع ركلات ركنية وإرسال 14 كرة عرضية، قبل أن يرتفع عدد التمريرات الدقيقة إلى 800 مع نهاية الأشواط الإضافية، في مؤشر واضح على قدرة الفريق على الاحتفاظ بالكرة وعدم فقدان هدوئه كلما ارتفع نسق المباراة.

ولم يكن الاستحواذ غاية في حد ذاته، بل أداة لحرمان المنتخب الهولندي من فرض أسلوبه المعتاد.

فبدل الدخول في مباراة مفتوحة تعتمد على تبادل الهجمات، اختار “أسود الأطلس” التحكم في نسق اللعب، وإجبار منافسهم على الركض خلف الكرة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على عدد الفرص التي صنعها المنتخب الهولندي، إذ لم يجبر ياسين بونو سوى على القيام بتصد واحد طوال المباراة، في دليل واضح على صلابة المنظومة الدفاعية أكثر من تألق الحارس.

مفاتيح التفوق

في قلب هذا الأداء، برز نيل العيناوي كأحد أبرز مفاتيح التفوق المغربي.

فبعيدا عن الأضواء التي ترافق عادة المهاجمين، لعب لاعب الوسط دور المحور الذي حافظ على توازن الفريق، بعدما أكمل 134 تمريرة دقيقة، ونجح في أربعة تدخلات دفاعية واعتراض للكرة، إلى جانب مساهماته في بناء الهجمات.

ولم يكن تقييمه المرتفع في “أوبتا” سوى انعكاس لدور تكتيكي منح المنتخب الاستقرار في أصعب فترات اللقاء.

إلى جانبه، قدم عز الدين أوناحي وجها مختلفا لوسط الميدان المغربي. فبينما تكفل العيناوي بضبط الإيقاع، منح أوناحي الفريق القدرة على كسر الخطوط بتمريراته وتحركاته بين المساحات، مساهما في ثلاث هجمات انتهت بتسديدات، ليؤكد مرة أخرى أنه أحد أهم مفاتيح الإبداع في تشكيلة المنتخب.

أما على الرواق الأيمن، فقد واصل أشرف حكيمي تقديم نفسه باعتباره السلاح الهجومي الأكثر تأثيرا.

فإلى جانب 94 تمريرة دقيقة، أرسل تسع عرضيات، وسدد ثلاث مرات من داخل منطقة الجزاء، وحقق معدل أهداف متوقعة بلغ 0.234، ليكون المنفذ الرئيسي للهجمات المغربية ومحور معظم المحاولات الرامية إلى فك التكتل الدفاعي الهولندي.

نضج تكتيكي

رغم هذا التفوق، كشفت المباراة عن نقطة تحتاج إلى معالجة في الأدوار المقبلة. فرغم السيطرة وصناعة الفرص، افتقد المنتخب المغربي في بعض الفترات إلى اللمسة الأخيرة أمام المرمى، وهو ما ظهر في الأداء المحدود لإبراهيم دياز، الذي لم ينجح في ترك بصمته الهجومية المعتادة.

وفي المقابل، أثبتت دكة البدلاء قيمتها، بعدما منح سفيان رحيمي الفريق زخما جديدا، وكان صاحب أخطر فرصة مغربية، مسجلا أعلى قيمة للأهداف المتوقعة بلغت 0.753، وهو ما يعكس جودة الخيارات التي يمتلكها الطاقم التقني

وتؤكد المباراة أن قوة المنتخب المغربي لم تعد تقتصر على الأسماء أو المهارات الفردية، بل أصبحت ترتكز على منظومة جماعية تعرف متى تستحوذ، ومتى تضغط، ومتى تدافع، دون أن تفقد توازنها أو شخصيتها.

فالتأهل أمام هولندا لم يكن ثمرة أداء استعراضي، وإنما نتيجة فريق امتلك النضج الكافي لإدارة مباراة معقدة، والصبر اللازم لانتظار اللحظة المناسبة، والصلابة الذهنية التي مكنته من حسم المواجهة عندما وصلت إلى أكثر لحظاتها حساسية.

عادل الشاوي/ Le12.ma

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *